حين يخاطب الحق سبحانه وتعالى بقوله:"أرأيت"نقول: كان ذلك مشهدًا لرسول الله رآه، فتكون الرؤية على حقيقتها. فإذا كان الأمر لم يكن معاصرًا لرسول الله أي غير مرئي له فيخاطبه الله بقوله:"ألم تر"يعني: ألم تعلم، وكأن العلم بالنسبة لخبر الله يجب أن يكون أصدق مما تراه العين. كقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} الفيل 1
وقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} : إن"التزكية"هي التطهير من المعايب، والتزكية التي زكُّى بها اليهود أنفسهم أنهم قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} وقالوا:
{لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} وتلك قضية باطلة.
وهنا نسأل: هل إذا زكى الإنسان نفسه بحق تكون تلك التزكية مقبولة؟
نقول: علينا أن نسأل: ما المراد منها؟ إن كان المراد منها الفخر تكن باطلة، لكن تكون التزكية للنفس واجبة في أمر يحتم ذلك.
مثاله: عندما تركب جماعة زورقًا ويكون من يجدف متوسط الموهبة، ثم قامت عاصفة وكان من هو أكثر فهمًا وكفاءة فتقدم وقال: ابتعد عن القيادة أنا أقدر منك على هذا الأمر
هذه تزكية للنفس، وهي مطلوبة؛ لأن الوقت ليس وقت تجربة، وهو يزكي نفسه بحق.
ومنها قصة سيدنا يوسف: {قَالَ لاَ يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَاتِيكُمَا} يوسف 37 فقد زكى نفسه، لكن انظروا لماذا زكى نفسه؟ هو يريد أن يأخذ بيدهما إلى ربه بدليل أنه قال: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} يوسف 37 - 39
إذن فالتزكية هنا مطلوبة، وقد ردّها لله ولم ينسب العلم له فقال:
{ذلكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} يوسف 37
بعدها قربه الملك منه ثم جاءت سنون الجدب التي تنبأ بها في تفسير الرؤيا،
وقال للملك: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ} يوسف 55
إذن فقد زكى نفسه ثانية، وجاء بالحيثية: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} يوسف 55
لأن هذه المسألة تحتاج حفظًا وعلمًا، فهي أمر غير خاضع للتجريب، فيجرب واحد فيخيب، ويجرب آخر فيخيب.
إذن فمتى تكون التزكية مطلوبة؟
أولًا: أن تكون بحق، وأن يكون لها هدف عند من يعلم التزكية وإلى من يعطيك التزكية ويثني عليك بما فيك وما أنت أهل له فتكون هذه تزكية صحيحة.
ولذلك يقول الحق: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} النجم 32