فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 149

وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل: ( ... هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ)

وهو هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان الحق سبحانه له فيقول:

(هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)

ويُثني على الله شاكرًا إحسانه فيقول: (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... )

إذا رأينا الباطل مرة يعلو، فلنعلم أنه لا بقاء لهذا العُلو لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.

قد يقول قائل لماذا لا يُعلن الحق عن نفسه من البداية؟

أراد الله ذلك ليجعل الباطل من جنود الحق، ولو لم يُتعب الباطل الناس أيتجهون إلى الحق؟ لا.

وضربنا المثل من قبل وعرفنا أن الألم عند المريض من جنود العافية، فلولا ذلك الألم لاستشرى الداء دون أن يشعر المريض، فكأن الألم يلفته إلى موضع الداء ويدفعه للبحث عن وسائل الشفاء. وبذلك يتعرف على حلاوة العافية.

كما أنّ الباطل من جنود الحق والألم من جنود الشفاء؛ والكفر أيضًا من جنود الإيمان؛ لأننا عندما نرى الكُفر ونشهد آثار الكُفر فسادًا في المجتمع، نتساءل: ما الذي يخلِّصنا من ذلك؟ ونعرف أن الذي يخلصنا من الفساد هو الإيمان.

يقيس الحق سبحانه أمامنا فرح الحياة الدنيا بالآخرة بأنها متاع، ومتاع الرجل هو ما يعده

إعدادًا يُنفِقه في سفر قصير، كالحقيبة الصغيرة التي تضع فيها بعضًا من الملابس ...

والمؤمن هو مَن يَصل عمل دُنْياه بالآخرة ويعمل أقصى ما يمكن أنْ يفعله في الحياة؛ ليصلَ إلى النعيم الحقيقي، ويبذل جهده لِيصِلَ نفسه برحمة الله؛ لأنها باقية ببقاء الله، ولأن المؤمن الحق يعلم أن كل غاية لها بَعْد؛ لا تعتبر غاية.

فالدنيا في حَدِّ ذاتها لا تصلح أن تكون غايةً للمؤمن.

ويأتي الإعجاز فلم يَقُلْ من الظلمات إلى الأنوار، وشاء أنْ يأتي بالظلمات كجمْع؛ وأنْ يأتي بالنور كالمفرد، لأن النور واحد لا يتعدد؛ أما الظلمات فمتعددة بتعدُّد الأهواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت