فلا بد أن يجد نفوس الآخرين قد امتلأت بالمرارة أو الغصب. ولذلك فقد كان سائدا في ذلك العصر عملية إجراء السهام.
وهناك قصة سيدنا يونس عندما قاربت السفينة على الغرق، وكان لا بد لإنقاذها أن ينزل واحد إلى البحر، وجاء القول الحكيم: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) الصافات 141
لذلك تم إجراء قرعة بالسهام حتى لا تقوم معركة بين الموجودين على ظهر السفينة، وحتى لا تكون الغلبة للأقوياء، فالقرعة حمت الناس من ظلم بعضهم بعضًا.
فعندما نختلف على شيء فإننا نجري قرعة، ويلجأ الناس لهذا الأمر ليمنعوا هوى البشر عن التدخل في الاختيار، ويصبح الأمر خارجا عن مراد البشر إلى مراد الله تعالى.
إن الكلمة التي قالها عيسى عليه السلام في المهد أي وهو طفل لا تسعف من يصف عيسى عليه السلام بوصف يناقض بشريته؛ لأن أول ما نطق: إني عبد الله، فأخفوا هم هذه المسألة كلها لأن هذه الكلمة تنقض قضية التثليث وألوهية عيسى التي ابتدعوها.
و"كهلًا"أي في العقد الرابع. والبعض قال بعد الأربعين من العمر. وفي روايتهم حكاية الصلب حدثت قبل أن يكون كهلًا،
إذا كان قد تكلم في المهد فيبقى أن يتكلم وهو كهل وهو ما ننتظره ونؤمن به.
إن لله حكمة فيما يحلل وحكمة فيما يحرم. إنما إياك أن تفهم أن كل شيء يحرمه الله يكون ضارًا؛ قد يحرم الله أشياء لتأديب الخلق، ولا يصح أن تسأل عن الضرر فيها، وقد يعيش المؤمن دنياه ولم يثبت له ضرر بعض ما حرم الله.
نقول لمن يظن أن الله يحرم الشيء الضار فقط؟ اسمع لقوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} النساء 160
وتفصيل ذلك في آية أخرى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذالِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} الأنعام 146
إذن التحرير ليس ضروريًا أن يكون لما فيه الضرر، ولهذا جاء قول الحق على لسان عبده ورسوله إلى بني إسرائيل عيسى ابن مريم: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} لقد
جاء عيسى ابن مريم ليُحل لهم بأمر من الله ما كان قد حرمه الله عليهم من قبل.