فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 149

والبقايا في كل الأشياء هي نتيجة الاختيار والاختبار، وبقية الأشياء دائمًا خيرها.

هنا يدعوهم شعيب عليه السلام أن لا ينقصوا المكيال أو الميزان ويلتفتوا إلى ما هو مدخور عند الله.

ولنا المثل في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ حينما سألها عن شاة أُهديت له، وكانت تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة كتفها، فتصدقت بكل الشاة إلا جزءًا من كتفها، فلمَّا سألها: ما فعلت بالشاةّ قالت: ذهبت كلها إلا كتفها. ويلفتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتة إيمان ويقين، ويقول لها:"بقى كلها إلا كتفها".

ويؤيد ذلك حديث قاله صلى الله عليه وسلم:"وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت".

ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور، وإلى المدخور، فيقول الحق سبحانه:

{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} الكهف 46

{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا} مريم 76

ويقول تعالى: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى 17 {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} القصص 60

إذن: فإياك أن تنظر إلى الذاهب، ولكن انظر إلى الباقي.

وإذا عضَّتِ الإنسان الأحداث في أي شيء، نجد أن سطحي الإيمان يفزع مما ذهب، ونجد راسخ الإيمان شاكرًا لله تعالى على ما بقي.

وها هو ذا سيدنا عبد الله بن جعفر ـ رضي الله عنه ـ حينما جُرحت ساقه جرحًا شديدًا، وهو في الطريق إلى الشام، ولحظة أن وصل إلى قصر الخلافة قال الأطباء: لا بد من التخدير لنقطع الساق المريضة، فقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين.

وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر، فلمَّا قُطعت الساق، وأرادوا أن يأخذوها ليدفنوها؛ لتسبقه إلى الجنة إن شاء الله؛ قال: ابعثوا بها، فجاءوا بها إليه، فأمسكها بيده وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو؛ فقد عافيت في أعضاء.

هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي.

البقية هي التي تبقى أمام الأحداث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت