بعد أن نقل كلام البيضاوي حول الاستفهام:"المعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه الاستفسار عما رجحهم. مع ما هو متوقع منهم على الملائكة المعصومين من الاستخلاف لا العجب والتفاخر وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مداد أمره: شهوية، وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة. ونظروا إليها مفردة وقالوا: ما الحكمة في استخلافه، وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضى الحكمة إيجاده فضلًا عن استخلافه ..." [1] .
عقب عليه القونوي بقوله:"قوله (لا تقتضى إيجاده فضلًا عن استخلافه) لتقوية ما ذكره لا لأنه حمل الجعل على معنى الخلف كما فهم ذلك من كلام بعضهم لأن قوله في مواضع عديدة (يستخلف) قوله هنا (ما الحكمة في استخلافه) صريح في الحمل على معنى التصيير وأيضًا قد عرفت أن تعجب الملائكة من خلق من يفسد بلا ملاحظة الخلافة ليس بمستقيم، ولو كان مراده ما قيل لقال: ما الحكمة في خلقه ثم ما ذكره المصنف هنا حاصل المعنى لأجل المبنى ولله دره! حيث أشار إلى لطائف عديدة في مواضع متفرقة فقال: أولا تعجب أ هـ فأشار إلى أن السؤال عنه هو الجعل فوجد المراعاة لقاعدة أن المسئول عنه يلى الهمزة، وقال ثانيًا: واستكشاف عما خفى أ هـ فأشار إلى ان سؤالهم سؤال استرشاد لا تعنت وعناد ..." [2] .
وقوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ... .} [3] .
"الاستفهام للإنكار، ولما وجب إيلاء المنكر الهمزة أدخلت على الظرف لا على الشك؛ لأن الكلام في المشكوك: أى المنكر كونه تعالى محل الشك لا نفس الشك، ولما كانوا يشركون به تعالى لم يكن اعتقادهم بوجود الصانع على الوجه المطابق للواقع، فإيما نهم كلا إيمان ..." [4] .
(1) ينظر أنوار التنزيل 1/ 138، 139.
(2) ينظر حاشية القونوى 2/ 12.
(3) من الآية (10) من سورة إبراهيم.
(4) ينظر حاشية القونوى 8/ 50.