حمل (لو) على التمنى وكان المفعول محذوفًا: أى يود أحدهم الحياة المتطاولة، فيكون التقدير: يود أحدهم طول الحياة قائلًا لو أعمر ألف سنة إلا أنه أورد بلفظ الغيبة لأجل مناسبة يود، فإنه غائب كما يقال: حلف زيد بالله ليفعلن مع أنه قال حين الحلف بالله لأفعلن لكن لما أورد الحلف بالغيبة ناسب أن يقال: ليفعلن، ولو قيل حلف بالله لأفعلن كذا لكان صحيحًا فصيحًا، فكان مقتضى الحال ما اختير في النظم الكريم وإن كان خلاف مقتضى الظاهر ..." [1] . وهنا نلمح حرص القونوي على الربط بين (لو) المستعملة في معنى (ليت) وبين مناسبتها للمقام ومقتضى الحال، وهو تفصيل دقيق يبرز أثر (لو) في النظم الجليل، وطالما عنى الإمام القونوي بكل ما يتصل بمقتضى الحال التي هى أصل البلاغة، وقد سبق تفصيل ذلك في فصل النظم."
ويقول في قوله تعالى: { ... وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [2] .
"قوله (ولو ترى) الخطاب للنبى (- صلى الله عليه وسلم -) وهو الظاهر لكونه حقيقة أو لكل من يصلح أن يكون مخاطبًا، فيكون الخطاب لغير معين، فيكون الضمير المستتر مجازًا ومفعوله محذوف، ولو للتمنى لا جواب له أو شرط جوابه مقدر مثل لا يمكن بيانه،"والمراد بالظالمين"منكروا البعث، فوضع الظاهر موضع المضمر للذم بالظلم أى: الكفر ولبيان علة استحقاقهم" [3] .
ويلاحظ أن الإمام القونوي هنا اكتفى ببيان أن"لو"للتمنى دون أن يوضح أثرها في السياق، ومناسبتها للمقام كما في الموضع السابق، وهو يفعل ذلك في بعض الأحيان اعتمادًا على فطنة القارئ ودقة حسه وذوقه، ويلاحظ أن الإمام القونوي يتفق مع البلاغيين في أن"لو"قد يأتى للتمنى مجازًا، ووراء هذا الوضع أسرار يقتضيها المقام، ويدعو إليها الحال بحيث لا يصلح غيره في هذا الموضع لمناسبة النظم وكما سبق أن
(1) ينظر حاشية القونوى 3/ 185.
(2) من الآية (31) من سورة سبأ.
(3) ينظر حاشية القونوى 11/ 191.