ومِنَ الثاني: قوله تعالى حكايةً عن اليهود {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون} (1) فَقَدِ ادَّعَوْا أنّ إصلاحهم أمْر جَلِيّ لا شكّ فيه (2) .
حُجِّيَّة الحصر بـ"إنَّمَا":
اختلَف الأصوليّون في"إنَّمَا": هلْ تفيد الحصر أيْ يَقْتَصِر الحُكْم على المذكور ويَنْتفِي عَنْ غَيْره أم لا؟
لهم في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: أنَّهَا لا تفيد الحصر.
وهو ما عليه الحنفيّة وبَعْض مُنْكِري المفهوم: كابن حَزْم والآمدي رحمهما الله تعالى.
واحْتَجّوا لِذلك بأدلَّة، أَذْكُر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُم} (3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة} (4) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ"إنَّمَا"في الآية الكريمة وَرَدَتْ لِلحصر، ووَرَدَتْ في الحديث الشريف لِغَيْر الحصر ..
وإذا كانت كذلك كانت حقيقةً في القَدْر المشترك بَيْن الصورتيْن، وهو تأكيد إثبات الخبر لِلمبتدأ نفيًا لِلتجوز والاشتراك (5) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وأَرَى مُنَاقَشَة هذا الدليل: بأنّا لا نُسَلِّم أنَّهَا حقيقة في القَدْر المشترك
(1) سورة البقرة مِنَ الآية 11
(2) جواهر البلاغة /149
(3) سورة الكهف مِنَ الآية 10
(4) أَخْرَجه مُسْلِم في كِتَاب المساقاة: باب بَيْع الطعام مِثْلًا بمِثْل برقم (2991) والنسائي في كِتَاب البيوع: باب بَيْع الفضة بالذهب وبَيْع الذهب بالفضة برقم (4505) وابن ماجة في كِتَاب التجارات: باب مَنْ قال: لا رِبَا إلا في النسيئة برقم (2248) ، كُلّهم عَنْ أسامة بن زَيْد رضي الله عَنْهُمَا.
(5) يُرَاجَع الإحكام لِلآمدي 3/ 106، 107