ومالك رضي الله عنهما، وهو قول القاضي عبد الجبار (1) وأَبِي عبد الله البصري والقاضي أَبِي بَكْر الباقلاّني، واختاره الغزالي والآمدي والباجي رحمهم الله تعالى (2) .
واسْتَدَلّوا لِذلك بأدلّة، أَذْكُر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا} (3) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ هذا النَّصّ أفاد منطوقه عدم جواز إكراه الإماء على البغاء إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا، وهذا شَرْط لِلحُكْم، فلو قُلْنَا بمفهوم الشَّرْط لَثَبَت جواز الإكراه على البغاء عند عدم إرادة التحصن، وهو باطِل بالإجماع، فدَلّ ذلك على أنّ مفهوم الشَّرْط لَيْس حُجَّةً، وهو المُدَّعَى.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل: بأنّ هذا الشَّرْط لا يَتحقق الإكراه إلا به، فكأنّه خرج مخرج الغالب؛ لأنَّهُنّ إذا لَمْ يُرِدْنَ أنْ يَتَحَصَّنّ لَمْ تُتَصَوَّرْ كراهتهنّ لِلبغاء، وإنَّمَا يقع الإكراه على البغاء إذا أَرَدْنَ التحصن، فصار إرادة التحصن شرطًا في الإكراه لا في الحُكْم (4) .
(1) القاضي عبد الجبار: هو أبو الحَسَن عبد الجبار بن أَحْمَد الهمداني رحمه الله تعالى، فقيه أصوليّ مُتَكَلِّم معتزليّ، وُلِد سَنَة 359 هـ ..
مِن تصانيفه: تفسير القرآن، طبقات المعتزلة.
تُوُفِّي رحمه الله تعالى بالرّيّ سَنَة 415 هـ.
سِيَر أعلام النبلاء 11/ 54 ومعجم المؤلِّفين 5/ 78
(2) يُرَاجَع: المستصفى /271 والإحكام لِلآمدي 3/ 96 وإحكام الفصول /522 والبحر ... المحيط 4/ 37 وإرشاد الفحول /181 والمسوَّدة /357 وشَرْح العضد مع المختصر 2/ 180 والتقرير والتحبير 1/ 154 وتيسير التحرير 1/ 100 وفواتح الرحموت مع مُسَلَّم الثبوت 1/ 422
(3) سورة النور مِنَ الآية 33
(4) يُرَاجَع: التمهيد لِلكلوذاني 2/ 193، 194 والمنهاج مع شَرْحه 1/ 294 - 296 وشَرْح =