مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل مِن وجوه، وأَكتفي بما ذَكَره حُجَّة الإسلام الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ مِن وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أنّ هذا خبرُ واحدٍ لا تَقوم به الحُجَّة في إثبات اللغة، والأظهر أنَّه غَيْر صحيح؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - أَعْرَف الخَلْق بمَعاني الكلام، وذِكْر السبعين جَرَى مبالَغةً في اليأس وقَطْع الطمع عن الغفران، كقول القائل: اشفع أو لا تَشفع، وإنْ شَفَعْتَ لهم سبعين مَرّةً لَمْ أَقْبَلْ منك شفاعتك (1) .
الجواب عن هذا الوجه مِن المُنَاقَشَة:
وأَرَى أنّ هذا الوجه مردود بوجْهيْن:
الأول: أنّا لا نُسَلِّم أنّ خبر الآحاد لا تَقُوم به الحُجَّة في إثبات اللغة.
الثاني: أنّا لا نُسَلِّم عدم صِحَّة الحديث، حتّى وإنْ سَلَّمْنَا ـ جَدَلًا ـ فظاهِر النَّصّ ليس فيه ما يَقْطَع طمع الغفران أو طلبه ورجائه خاصّةً مِمَّنْ بَعَثه الله تعالى رحمةً لِلعالَمين - صلى الله عليه وسلم -.
والقَطْع كَمَا في قوله تعالى {وَلا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا ... وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُون} (2) ، ولِذَا امتنَع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على المنافقين لِدلالة منطوق النَّصّ على ذلك، وهذا غَيْر متحقِّق في دليلنا؛ لأنَّه جَلّ وعَلاَ لم يَقُلْ: فلنْ يَغفر الله لهم أبدًا.
الوجه الثاني: أنّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال {لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِين} ولم يَقُلْ (لِيغفر لهم) ، فما كان ذلك لانتظار الغفران، بلْ لَعَلّه لاستمالة قلوب الأحياء منهم؛ لِمَا رأَى مِن المصلحة فيهم، ولِترغيبهم في الدِّين، لا لانتظار
(1) المستصفى /267
(2) سورة التوبة الآية 84