ثم رأيت تحقيقًا رائعا للعلامة أحمد بن نصر الداودي حول هذا الموضوع، نقله عنه العلامة ابن بطال، وذلك عندما تعرض لشرح باب: فضل الفقر من كتاب الرقاق من صحيح البخاري، فقال: «ولم يأتِ في الحديث - فيما علمنا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو على نفسه بالفقر ولا يدعو بذلك على أحد يريد الخير، بل كان يدعو بالكفاف [1] ، ويستعيذ بالله من شر فتنة الفقر، وفتنة الغنى [2] ، ولم يكن يدعو بالغنى إلا بشريطة يذكرها في دعائه [3] ، فأما ما روي عنه أنه كان يقول: «اللهم أحيِني مسكينًا وأمِتْني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» » [4] ، فإن ثبت في النقل فمعناه: ألا يجاوز الكفاف، أو يريد به الاستكانة إلى الله، ويدل على صحة هذا التأويل: أن ترك أموال بني النضير، وسهمه من فدك وخيبر، فغير جائز أن يظن به أن يدعو إلى الله ألا يكون بيده شيء، وهو يقدر على إزالته من يده بالإنفاق.
(1) إشارة إلى ما رواه مسلم (1055) (19) عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا» .
(2) أخرجه مسلم (589) ، وهو في مسند أحمد (24301) .
(3) يعني الغنى الذي لا يطغي.
(4) رواه الترمذي (2352) ، وقال: هذا حديث غريب.
قلت: وفي إسناده: الحارث بن النعمان الليثي، قال عنه ابن حجر في التقريب رقم (1052) : ضعيف.