نَظْمِ القرآن الكريم ونَظْمِ ما عداه من الكلام قائلًا فيه: (والذي يشتملُ عليه بديعُ نظمه المتضمِنُ للإعجاز وجوهٌ: منها ما يرجع إلى الُجملة، وذلك أنّ نظمَ القرآن، على تصرفِ وجوههِ؛ واختلافِ مذاهبهِ، خارجٌ عن المعهودِ من نظام جميع كلامهم، ومُباينٌ للمألوفِ من ترتيبِ خطابِهم، وله أسلوبٌ يختص به؛ ويتميزُ في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أن الطرق التي يتقيدُ بها الكلامُ البديعُ المنظومُ تنقسمُ إلى: أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى: أنواعِ الكلامِ الموزونِ غيرِ المُقفى، ثم إلى أصنافِ الكلامِ المعدّل المُسْجَع، ثم إلى معدلٍ موزونٍ غيرِ مُسجع، ثم إلى ما يُرسلُ إرسالًا، فتُطلبُ فيه الإصابةُ والإفادةُ وإفهامُ المعاني المعترِضة على وجهٍ بديعٍ؛ وترتيبٍ لطيفٍ، وإن لم يكن معتدلًا في وزنه، وذلك شبيهٌ بجملة الكلام الذي لا يُتَعَمّلُ يُتصنعُ له .. ) ليقرر، الباقلاني، من ثمّ: (وقد علِمنا أن القرآنَ خارجٌ عن هذه الوجوه، ومُباينٌ لهذه الطرق، فليس من بابِ السجعِ، وليس من قبيلِ الشعرِ، وتبيّن، بخروجهِ عن أصنافِ كلامهم وأساليبِ خطابهم، أنه خارجٌ عن العادة، وأنه معجزٌ، وهذه خصوصيةٌ ترجعُ إلى جملةِ القرآنِ وتميزٌ حاصِلٌ في جميعِه) [1] .
وكان الإمام"عبد القاهر الجرجاني"واحدًا ممن تحدثوا عن إعجاز القرآن الكريم، وعن تعلّق ذلك الإعجاز بنظم القرآن ذاته؛ وذلك في كتابه"دلائل الإعجاز". ونظرًا لجهود الإمام"الجرجاني"في استقراء الإعجاز القرآني؛ فقد اعتُبِر القرنُ الخامس عصرًا ذهبيًا للإعجاز، وقد كان الانتصار قَبْلَهُ لِلَفظِ على المعنى؛ وذلك في القضية الجدلية"اللفظ والمعنى"في أيهما تكون الفصاحة والبلاغة؟!.
ولـ"ابن عطية"مقولةٌ رائعةٌ حول إعجاز ألفاظ القرآن الكريم يقول فيها: (وكتاب الله لو نُزعت منه لفظةٌ، ثم أُديرَ لسانُ العربِ على لفظةٍ أحسنَ منها لم
(1) نقلا عن كتاب مباحث في علوم القرآن، مرجع سابق، ص 301.