فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 259

{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن، والغَوْا فيه لعلكم تغلبون} (فصلت:26)

فغايةُ غَلَبِهِمْ هنا أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم فِرارًا منه .. وإنه لغلبٌ؛ وأي غلب؟!.

باختصار؛ فقد تجلت الحيرةُ في كلّ ردود الأفعال التي فوجئت بِنَظْمِهِ البديع، فمن آمن كان في حيرةٍ من أمره؛ قبل أن يشرح الله صدره للإيمان، ولعل من آمن، فيما بعد، كان دائم التساؤل مُتعجبًا: ما الذي فعله القرآن بي؟! ...

ومن كذب على نفسه وخدعها (بوصفه للقرآن بالسحر ليخلُص إلى نتيجة مفادها أن محمدًا ليس أكثر من ساحر) كان في حيرةٍ من أمرهِ كذلك، ولعله قضى لياليه مُسَهَدّا [1] متعجبًا يسائل نفسه: أيةُ قوةٍ تلك التي سيطرت عليّ فجعلتني أذهب إلى ما ذهبت إليه؟! ...

وقد بيّن القرآنُ الكريم، في لقطاتٍ نادرةٍ، ردودَ أفعال الفئة الأخيرة، فَصَوّرَها في حيرتها لا تكاد تثبت على حال، فهي متقلبةُ الفكر، مبلبلةُ الخاطر والوجدان، تتناوشها الوساوسُ؛ وتختلطُ عليها الأفكارُ بغير ما انضباط! ..

ولننظر إلى اللقطات النفسية العجيبة التي عرضها القرآن، والتي تجلت في حججهم المبتورة: {قد سمعنا ... } {لو نشاء لقلنا مثل هذا ... } {إن هذا إلا أساطير الأولين ... } (الأنفال:31) {أضغاث أحلام ... } {بل افتراه ... } {بل هو شاعر} (الأنبياء:5)

ولنتأمل الجُمَلِ القصيرةِ؛ والعباراتِ القلقةِ التي صوّرت حالهم، فهي لا تكاد تقذفها الألسِنةُ حتى تنقطع!! ... وكأن القرآن الكريم، وهو يرسم لنا ردود أفعالهم تلك؛ إنما يصوّر لنا حالةً تنطبقُ على البشرِ جميعًا عندما يتنكرون لما هو

(1) باتَ مُسَهَدًا، أي بات مؤرقا وقد جافاه النوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت