فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 259

الداخلي في أعماق الفرد والجماعة؛ مما مكن الفرد والمجتمع -في وقت من الأوقات- من المحافظة على ثقتهم بدينهم وحضارتهم.

إن حالة"رد الفعل" (التي تمثلت في اتجاهنا في وقت من الأوقات ناحية العلوم الطبيعية وجعْلِها دليلًا على الحقيقة الدينية) كان يمثل حالةً غير عادية، وغير أصيلة، إذ الأصل أن يُستدل بالحقيقة الدينية على ما عداها لا العكس، لكن مع ذلك فقد ساهم التوجه نحو تلك العلوم في إيجاد زوايا جديدة يُنظر للنص القرآني من خلاها، مما مكّن، في نهاية المطاف، من إحداث الأثر المطلوب؛ والمتمثل في إدراك الحاجة لتجاوز الأزمة الحضارية، لكن مع كل ذلك فقد بقي التوجه للعلوم الطبيعية، لإثبات صدق الحقيقة الدينية، بقي مُعبرًا عن جانب غير أصيل، ولا يمثل"الفعل"بقدر ما يعبر عن"رد الفعل"، وظل مُعبرًا عن الاستجابة لمواجهة حالة الأزمة التي لازمت الأمة خلال القرن الأخير.

وفي الآونة الأخيرة فإن اختلافًا ما قد طرأ على تلك الحالة، حالة"رد الفعل"، إذ بدأنا، شيئًا فشيئًا، نستعيدُ الثقة بالذات، وبدأنا، شيئًا فشيئًا، نفقد الثقة في الحضارة المادية برمتها، ابتداء بالفكر الذي وضع الدين موضع الاتهام؛ ورَبَطَه بعلاقة تناقض ومواجهة مع العلم، وقد بدأ الدين في استعادة ما فقده من اعتبار؛ وجاء ذلك كنتيجة مباشرة لاتضاح حدود قدرة أدوات تحصيل المعرفة، وحدود إمكانيات أدوات الاستكشاف، وبالتالي فإن العلم قد ساهم مساهمة مباشرة في رد الاعتبار للأدوات المقترحة من قبل الدين، بل إن العلم قد أثبت أن"الإيمان بالغيب"إنما هو حقيقة"موضوعية"بحتة تفرضها محدودية الوسائل، ومحدودية القدرات البشرية، وذلك حين تم الكشف عن أن ما يمكن لحواس الإنسان أن تحيط به من محسوسات لا يتعدى أن يكون نسبة ضئيلة جدًا مما يمكن للإنسان أن يدركه.

والإضافة ذات المغزى هنا هي أن الحقيقة الدينية قد أصبحت مقبولة، ليس فقط من وجهة نظر أصحابها (ممن يؤمنون بالغيب) بل من وجهة نظر علمية بحتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت