كذلك فقد تعامل القرآن الكريم مع العرب بكيفية متدرجة ميزت منهجه في إحداث التغيير، وفي مجال"التراكم الزمني"فإن المنهج القرآني لم يخرج عن تلك القاعدة، إذ تعامل مع العرب، بداية، وفق ما درجوا عليه من تحكيمٍ لانطباعاتهم الذاتية: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} (يس:39) (41) من حيث ترتيب النزول) وكما نلاحظ في هذه الآية فإن التراكم الزمني منعدم، حيث يتخذ القمر لنفسه، في هذه الحالة، مجموعة من القيم (المنازل) التي تقع بين أكبر قيمة له (البدر) وأقل قيمة (المحاق) ، مما يشكل دورة كاملة تبدأ لتنتهي وذلك في دورات متتابعة مقدارها شهر قمري واحد!! ..
كذلك فقد طرحت سورة الفرقان (42 من ترتيب النزول) مفهومًا مشابها {ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظلّ ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} (الفرقان:45) وتطرح الآية توقيتا صالحا لجزء من النهار، ذلك أنه مرتبط بالفترة المحصورة بين شروق الشمس وغروبها، ويعتبر هذا التوقيت نوعًا من التوقيت"الذاتي"لا الموضوعي. إلا أن سورة تنزلت لاحقًا حملت دلائل أوضح في مجال الانتقال من"الذاتي"باتجاه"الموضوعي"، ومن"التكرار"إلى"التراكم"!! وذلك حين قال الحق تبارك وتعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدّره منازل ولتعلموا عدد السنين والحساب} (يونس:5) (( 51) من حيث ترتيب النزول) فلا يكتفي القرآن الكريم في هذه الآية بالحض على مراقبة الظواهر الكونية في حركتها المتكررة (حركة الشمس والقمر) بل يحضّ كذلك على بدء النظر إلى الحصيلة التراكمية الناشئة عن مجموع تلك الحركة {عدد السنين} و {الحساب} ! ..
وأخيرا بدأت الأمور تتضح وكأنها قد استقرت على الجمع بين النظرتين (التراكم) و (التكرار) وذلك كما يبدو لنا في قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج} (البقرة:189) (87 من حيث ترتيب النزول) ..