فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 259

ويمكن الافتراض اليوم بأن مفهوم الزمن عند العرب قبل الإسلام إنما كان تعبيرًا مقابلًا ومكافئًا لصفة"الوجود"الإنساني على الأرض! دون أن يشمل الأبعاد"الغيبية"التي كشف عنها الإسلام فيما بعد [1] وقد كان الإنسان العربي قبل البعثة المحمدية الشريفة يؤمن أن انتهاء الحياة بالموت يوقف الزمنَ بالفعل وينهيه!.

ويبرز مفهومهم للزمن من خلال اهتمام موروثهم الشعري والنثري المنقول عن الحقب السابقة للإسلام بكلا النوعين من الزمن ("الماضي"و"الحاضر"على حدٍ سواء) على اعتبار أنهما أجزاء طبيعية لمادة الحياة التي يعرفها العربي ويدرك كنهها جيدًا، إلا أن إدراكهم توقف (بل عجز) عن استكناه الزمن ببعده"المستقبلي"!!؛ كون الموت يشكل حائلًا وحاجزًا بين ماضي وحاضر الإنسان، من جهة، وبين مستقبله"ذي الطبيعة الغيبية"من الجهة الأخرى، حيث يخرج، الأخير، بإحاسيسهم من إطارها"الذاتي"الذي اعتادوا عليه إلى إطار جديد لا يعرفون عنه شيئًا؛ ألا وهو الزمن الغيبي"ما وراء الموضوعي"، وهو ما لم يتسنَ للعرب أن يدركوه في ذلك الوقت!.

وبنفس المنطق الذي تعامل الإنسان العربي قبل الإسلام من خلاله مع قضية"الموت"تعامل من خلاله أيضًا مع قضية"القدر"حيث يشكل كلاهما نوعًا من الإدراك المستقبلي للزمن، وقد بقي موقف الإنسان العربي، تجاه"القدر"ضبابيًا غير واضح!! إذ ظل خاضعًا لنفس المعايير الآنية السائدة، والتي جاء الإسلام، فيما بعد، ليضيف إليها أبعادًا إضافية كانت غير معروفة حتى ذلك الحين.

ويتلخص موقف الإنسان العربي، قبل البعثة، حيال"القدر"في أنه ظل غير قادر على استيعابه (أي استيعاب القدر) لعجزه عن التنبؤ بما رسمه وبما احتواه في رحم الغيب، وبقي العربي على اعتقاده بأن"القدر يعمل كقوة فطرية عمياء"!!.

(1) وهي مراحل وجود غيبي قبل الوجود الأرضي وبعد انتهاء الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت