الإنسان ابتداء من موطن الخطر ذاته، بل ابتعدت عنه قليلًا لتصوره، بدايةً، وهو في حالته الطبيعية، فابتدأت به وهو يسرحُ ويمرحُ، سواء في البر أو البحر، لتقفز قفزةً موضوعيةً أخرى؛ جاءت مترافقةً مع قفزةٍ انفعاليةٍ إضافية، تتمثل في نقل مسرح الأحداث، من سعة البر والبحر إلى محدودية المكان .. إلى الفلك المحمول؟!. وهنا تبدأ "القيمة الانفعالية" بالتكوّن، فنحن قد انتقلنا من عموم الإنسانية إلى خصوص نوعيةٍ محددةٍ منها، وهم تلك الفئة التي لا تعرف الله إلا وقت الشدّة!.
ولاحظْ الانتقال العجيب في الآية؛ من ضمير المخاطب الذي يخاطب العام {حتى إذا كنتم .. } إلى ضمير الغائب الذي يخاطب الخاص .. {وجرين"بهم"} فالخطاب القرآني هنا حذِرٌ من التعميم، فهذه الحالة يقع فيها بعض الناس لا كلهم .. ولعل القرآن الكريم أراد من قلب الضمير (من المخاطب إلى الغائب) {"كنتم"في الفلك، وجرين"بهم"} !! مجاراة عنصر الحركة في النص! فبابتعاد الفُلْكِ براكبيها يبدأ النص بالإشارة إليهم كغائب مبتعد لا كحاضر مخاطب؟! ..
{وجرين بهم بريحٍ طيبة، وفرحوا بها ... } ومع هذا الجريان السلس، والريح الطيبة المبشرة بكل خير، تتحقق حالة الفرح لديهم .. لتبدأ الآيات بالإعداد لرسم ذروة الانفعال الآتي، فيتضاعف الإحساس بالضيق إذا ما سبقته السعة! فبعد كل تلك الأحاسيس الإيجابية نجد قمةً من قمم الانفعال؛ والمتمثلة بهبوب عاصف الريح، لكن تلك القمة لم تكن الذروة! فها هو الموج يجيئهم من كل مكان ليقذف بهم إلى كل مكان!! وتتحقق ذروة الانفعال عندما تستطيع الكلمات أن تحمل معها وصفًا دقيقًا لانتقال حالة الاضطراب من محيطهم إلى دخيلة نفوسهم .. وعند هذه اللحظة تتحقق القناعة لديهم {أنهم قد أحيط بهم} ! ..
وهنا نجد القيم الانفعالية"المنتشرة"و"المنبثة"في ثنايا الآية سرعان ما تتجمع وتتحد في"قيمة انفعالية كلية"تهيئ المسرح لعرض"القيمة الموضوعية"