أبي الدرداء أيضًا كان نقله صحيحًا فكانت القضية أيضًا بين أبي الدرداء ومعاوية.
وهذه الحال التي رسمنا ملامحها تجعل من المعقول والطبيعي أن لا ينفرد أبو الأشعث برواية قصتها عن عبادة وأبو أسماء ليس بأدنى من أبي الأشعث مكانًا في التابعين ورواة الحديث بل إن كلا منهما روى عن الآخر وهما بدرجة واحدة لم يرو عنهما البخاري إلا في الأدب المفرد وروي عنهما مسلم والأربعة على أن أبا الأشعث وصموه بالتدليس ولم يصموا به أبا أسماء، وأبو قلابة أخرج له الجماعة ثم إن معتمرًا لم ينفرد برواية هذا الحديث عن أبي قلابة عن أبي أسماء بل رواه أيضًا قتادة عن أبي قلابة كما سبق أن نقلنا عن الدار قطني ولا سبيل إلى الغمز في كل من معتمر وقتادة ولا داعي إلى الإدعاء أن أبا أسماء رواه عن أبي الأشعث إذا يمكن أيضًا الإدعاء بأن بعض روايات أبي الأشعث له كانت عن أبي أسماء فهو لم يصرح في جميع رواياته مما يؤكد سماعه عن عبادة وقد تكون بعض رواياته عن طريق أبي أسماء، والذين رووا عن أبي الأشعث، لم يصرحوا جميعًا بأنهم شهدوه في مجلس، وهو يحدث بالقصة كما جاء في بعض الروايات، وقد ذكرنا آنفاٍ أنهم وصموا الأشعث بالتدليس، ولم يصموا به أبا أسماء.
ثم إن كلمة"في أعطياتهم"أو"إلى أعطياتهم"لا تتغايران فمن المحتمل جدًا أن يكون معاوية قد أمر ببيع تلك الأواني قبل أن يقسم على الناس غنائمهم التي أطلق عليها البعض"أعطيات"وأطلق عليها آخر"عطاء"ليتيسر له أن يقسم بين الناس دون أن يضطر إلى تقويم تلك الأواني أو يجهد حرجًا من رغبة البعض فيها، ولم تكن من قسمتهم ورغبة آخرين عنها، وجاءت في أنصبتهم، وهو الحرص بدهائه السياسي على أن يتجنب مواجد النفوس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكلمة"في"لا تنافي كلمة"إلى"إذ معناهما معًا أن معاوية أمر ببيع تلك الأواني على أن يدفع المشترون ثمنها من أعطياتهم حين يتقاضونها وجلي أنهم لم يكونوا يصطحبون في الغزو نقدًا أو سكة للبيع والشراء، فهم واثقون بالنصر ونفقاتهم أثناء الغزو على بيت المال، وهم ينتظرون ما يصيبون من غنائم وبها قد يتعاملون عقب الحرب فكان طبيعيًّا أن يعتبر ذلك معاوية وأن يبايعهم على أن يدفعوا ثمن ما اشتروه مما ينالهم من الأعطيات وليست كلمة"العطاء"التي وردت في بعض الروايات تعني ما يصيب الواحد منهم آخر كل شهر أو مرتبه الشهري بالتعبير الحديث من بيت مال المسلمين وإنما تعني ما يعطى له باعتباره نصيبهم من الغنائم، ويصرفها إلى هذا المعنى ظرفها الذي هو القرينة الصالحة لتحديد معناها.
على أن القصة في رأينا لم تكن محصورة في ظرف معين بل أحسبها تكررت فمنها ما كان عقب