وسئل مالك، عن الرجل يشتري النحاس المكسورة بالفلوس، فقال: لا خير فيه وأراه من وجه المزابنة، فقيل له: إن الرجل يشتري التور بدرهمين ونصف، لا يريد به وجه النحاس، إنما يريد به أن يتوضأ فيه، فقال: أرأيت لو كانت فلوسًا كلها؟ فقيل له: إنما يتوضأ فيه، وقال هو سواء لا خير فيه، وأراه من وجه المزابنة.
قال ابن رشد: أما شراء النحاس المكسورة بالفلوس، فقوله أنه لا خير فيه، لأنه من وجه المزابنة، هو مثل منا في المدونة من قوله: ولا خير في الفلوس بالنحاس إلا أن يتباعد بينهما، لأن المزابنة إنما تدخله إذا لم يتبين الفضل بينهما، وهذا مما لا اختلاف فيه أعلمه.
وأما شراء التور المصنوع من النحاس بالفلوس، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها أن الصنعة تخرجه إلى صنف آخر وترفع المزابنة عنه، فيجوز ذلك يدًا بيد أو إلى أجل، وهو قول مالك في روايتي ابن وهب عنه. والثاني أن ذلك يجوز نقدًا وإن لم تبين الفضل بينهما، ولا يجوز إلى أجل، وهو قوله في المدونة إلا أنه جعل ذلك فيها كالصوف بثوب الصوف والكتان بثوب الكتان، فقال: لا بأس بذلك نقدًا ولا بأس بالتور النحاس بالنحاس نقدًا، وإلى هذا رجع مالك في رواية ابن وهب عنه. والثالث أن ذلك لا يجوز نقدًا ولا إلى أجل يريد إلا أن يتبين الفضل بينهما في النقد، وعلى هذا حمل أبو إسحاق التويني ما في المدونة لابن القاسم وهو قول مالك في هذه الرواية، لأنه لم يجز فيها أن يشتري التور بدرهمين ونصف، فيعطي في جميعها فلوسًا ولا في النصف درهم منها، وإذا لم يجز ذلك في النقد، فالأحرى ألا يجيزه إلى أجل، وقد تأول بعض الناس من هذه الرواية، أن ذلك لا يجوز وإن تبين الفضل إذ منع فيها أن يعطي في النفس فلوسًا ولا شك في أن التور أكثر نحاسًا من الفلوس التي يعطي في نصف درهم وليس ذلك بصحيح، لأن التور مفضوض على قيمة الدرهمين والنصف درهم من الفلوس وإذا فض ذلك لم يدر أكان ما ينوب الفلوس من أكثر أو أقل فوجب ألا تجوز ولو أخذ في جميع الدرهمين والنصف فلوسا لا يشك أنها أكثر من التور أو أقل لكان ذلك جائزًا، والاختلاف في هذه المسألة موجود أيضًا في الصوف بثوب الصوف والكتان بثوب الكتان، وروى ذلك أشهب، عن مالك، أنه لا يجوز نقدًا ولا إلى أجل أيهما عجل، وروى ذلك أيضًا أصبغ، عن ابن القاسم، ثم رجع إلى أنه يجوز إذا كان الثوب هو المعجل، وأما مصنوع من النحاس أو منسوج بمنسوج من الصوف والكتان أو الكرسف، فلا اختلاف في جواز ذلك نقدًا، وإن لم يتبين الفضل بينهما، واعترض ذلك أبو إسحاق التونسي، فقال: لا فرق في القياس بين مصنوع بمصنوع