وبهذا يتضح أن دعوى الذرائعية في ربا الفضل لا أساس لها، وأنه محرم لذاته وليس باعتباره وسيلة إلى الربا المحرم، وهو ربا الجاهلية بزعمهم بجامع وقوع الظلم به في كل منها وأن العلة الأساسية في تحريم الربا على اختلاف أنواعه هي منع الظلم لا سيما فيما هو أساسي معاش الناس أو لحياتهم الاقتصادية حسب التعبير الحديث وهذا ما غفل عنه الأستاذ زكي بدوي على ضلاعته دراية وفقهًا في التشريع.
ثم قال السنهوري - رحمه الله:
ويبدو أنه يجب الذهاب إلى مدى أبعد مما ذهب إليه الأستاذ زكي الدين، والقول بأن ربا النسيئة وربا الفضل يقتصران على الأصناف الستة المذكورة في الحديث الشريف بل يتجاوزان إلى ما عداها مما أشار إليه المذاهب الفقهية من الأصناف الأخرى، وهذا هو الذي انعقد عليه الإجماع وأن كل ذلك محرم لا مكروه فحسب ولكنه محرم تحريم وسائل لا تحريم مقاصد فربا الفضل وسيلة إلى ربا النسيئة ما في ذلك شك وربا النسيئة وسيلة إلى رب الجاهلية؛ إذ يكفي أن ربا النسيئة عند حلول أجل الدين أن يزيد الدائن في الأجل مشترطًا أن يزداد في الفائدة ليصل من هذا الطريق إلى ربا الجاهلية فكل من ربا الفضل وربا النسيئة وسائل إلى ربا الجاهلية، وقد حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يتذرع بهما إلى هذا الربا الممقوت فتحريمهما إذن هو من تحريم الوسائل لا من تحريم المقاصد.
قلت: كلا ليس كذلك بل تحريمها من ربا المقاصد تمامًا كتحريم ربا الجاهلية للمناط الذي أوضحناه آنفًا؛ ولأن ما التمس على كثير من الفقهاء والمتفقهة من تصور استبدال نوعين من الجنس الواحد متفاضلين ناجزًا قد أوضحه الحكم النبوي في قضية"الجنيب"بأنه يسير الاحتمال إذا تصورنا رغبة أحد الطرفين لديه نوع رديء أو أدنى منزلة من ذلك الجنس في نوع لدى الطرف الآخر واستغلال هذا الطرف تلك الرغبة من ذلك بأن يبيعه النوع الجيد أو المرغوب فيه بالنوع الرديء أو الأدنى منزلة المتيسرة له متفاضلًا تفاضلا لا تراعى فيه مماثلة الثمن لو أن كلًّا منهما وقع المبايعة فيه بالنقد على أساس سعر السوق وبذلك تنتفي شبهة استبعاد المبايعة في نوعين من جنس واحد بالتفاضل والمناط في تحريم ذلك المنع من استغلال حاجة المشتري بالفضل، ومن جشع البائع على أساس المفاضلة وإجحافه بالمشتري، وبما أن المناط هو منع الظلم فالتحريم إذن لهذا النوع مقصود لذاته وليس لمنع التوسل به إلى ربا النسيئة وتحريم ربا النسيئة مقصود لذاته وليس لمنع التوسل به إلى ربا الجاهلية.