أيضًا ذكر للظلم مقرونًا بالربا أو باعتبار الربا من مشمولاته، ذلك بأن الظلم في آية النساء ورد في صدرها، ثم جاءت المعطوفات عليه تبيانًا لأنواعه لا ذكرًا لأشياء أخرى خارجة عنه، واختتام الآية بقوله تعالى: {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} ، تأكيد - والله أعلم - لمعنى الظلم في الصد عن سبيل الله وأخذ الربا المنهي عنه، فالظلم إذن هو المناط لتحريم الربا وجميع أنواع الربا محرمة لذاتها وليس منها ما هو محرم باعتباره وسيلة وما هو محرم باعتباره من المقاصد، وكما أن الإجحاف بالمدين العاجز بزيادة الفوائد الربوية عليه نفاد تأخير الأداء ظلم وتحريمه مقصود لذاته، فكذلك الإجحاف بمن تكون له الحاجة إلى نوع من جنس واحد إذا لم يتيسر له ويريد استبداله.
وقد لا يتجلى هذا التماثل في الإجحاف لو حصرناه في الأصناف الأربعة، إذ يدعى اعتبار التفاضل بين أنواع الصنف الواحد - وهي دعوى لها وجاهتها لولا أن الشارع دفع هذا الاعتبار بقضية"الجنيب"، فبين أن بيع النوع غير المرغوب فيه هو الحل الذي يرفع الظلم عن الطرفين. وبذلك ينتفي كل غبن لأن الاحتكام إلى سعر السوق لا يتيح الفرصة لأي من الطرفين استغلال حاجة الآخر.
لكن يتجلى الإجحاف بأجلى صوره في النقد فبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو أي نقد حل محلها بجنسه متفاضلًا لا يخلو إما أن يكون نسيئة أم لا، والنسيئة ليس هذا مجال بحثها، أما المناجزة فلا بد من حافز إلى هذا النوع من التعامل والحافز، إما أن يكون الاختلاف في الجودة وهذا لا يتأتي إلا في النقد الذهبي أو في الفضي إذا أريد لعينه، وإذن فإضافة التفاضل إلى التباين في الجودة غبن مجحف بالذي تضطره حاجة ما إلى ابتغاء الأقل جودة أو الأحق وزنًا بأفضل منه أو أثقل، وإما أن يكون اضطراب السعر هذا يعني أن أحد الطرفين أدق ملاحقة لأسعار النقد من الطرف الآخر، والصورة التي يمكن تصورها لهذا النوع من المعاملة المستغلة تتأتى في حالة اختلاف النقدين سكًّا أو وزنًا بأن تكون لأحد المتبايعين عملة معينة من الذهب أو الفضة وتكون لدى الآخر عملة من نفس الجنس لكن ليست من نفس النوع، أعني أنها مسكوكة في مكان آخر وهو يعلم أن هذه التي لديه تباع في السوق بالنقد الفضي مثلًا أو بالنقد الذهبي، إن تلك العملة بالذات متفاضلة مع العملة التي لديه من نفس الجنس مراعيًا في سريرته ازدياد سعر عملته على عملة صاحبه في السوق بالنقد المختلف وبذلك يجحف بصاحبه؛ لأن الشرع الإسلامي لا يقوم على مراعاة السعر في الجنس الواحد، وإنما على مراعاة المماثلة في حين يفسح المجال لاعتبار السعر إذا اختلف الجنسان كما في حديث ابن عمر الذي أوردناه بطرقه في فصل"أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف"، إذا كان يسعر يومه وذلك ما سنزيده إيضاحًا في موقعه من هذا البحث.