فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 318

الروايات الإسلامية القديمة لا تعرض للمؤثرات الخارجية في نشأة النقد وتطوره عند العرب ويكاد المرء يعتقد - إن اقتصر على الصدور عنها - إن العرب حين قرروا سك النقد أو التعامل به كانوا يصدرون على نفوسهم غير متأثرين بأي سواهم لولا أسماء المسكوكات التي ينسبها أصحاب هذه الروايات إلى الفرس أو إلى الروم أو إليهما معًا وبذلك يشيرون إلى أن سك النقد ليس اختراعًا عربيًّا دون أن يفيضوا في ذلك أو يبينوا الزمن الذي وقع فيه الاتصال بين العرب والنقد المسكوك وبدأوا يتعاملون به.

على أنهم لا يتفقون في نسبة هذا أو ذاك من النقود التي يتعامل بها العرب إلى هذه أو تلك من الأمم الأعجمية التي تصدر عنها.

وهم يشيرون إلى أنها كانت قبل الإسلام وإلى أوائل عهده ذات موازين مختلفة بيد أنهم يختلفون أيضًا في نسبة هذا النقد الخفيف أو الثقيل إلى هذه الأمة أو تلك من الأمم التي يذكرون أنها صادرة عنها ولا يعللون سبب خفة هذا أو ذاك من النقود وزنًا ولا سبب ما يشيرون إليه أحيانًا من الغش في بعضها بل إنهم يختلفون في تحديد نسبة الخفيف أو الثقيل وتحديد نسبة الخفة أو الثقل وتعيين مصدر هذا أو ذاك.

ثم إنهم يجمعون على أن عبد الملك بن مروان هو الذي أشاع النقد المسكوك في أقطار الدولة الإسلامية ما بين سنتي 74 و 76 هـ. ولكنهم في ما عدا ذلك يختلفون في تعيين أول من سك النقد في الإسلام، وأحيانًا تأتي أقوايلهم بما يوهم أن وزن الوحدة النقدية إنما استقر على يد عبد الملك وأن المسلمين المعاصرين له من الصحابة والتابعين أهل الحل والعقد أجمعوا على إقرار ذلك الوزن واعتباره شرعيًّا يعتمد عليه تنفيذ الأحكام الإسلامية في الزكاة والأنكحة والديات والمعاملات وما إلى ذلك في حين أن بعضًا منهم يعود فيذكر أن تقرير الوزن - وهذا هو الحق - إنما تم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتشريع منه ومعنى ذلك أن عبد الملك حين أشاع النقد لم يكن إلا مطبقًا للتشريع الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن بعض الرواة يذكرون عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - باعتباره أول من فكر في سك النقد وسك وحدات منه ولكنه لم يشعه أو لم يعمل على إشاعته بحيث يحل محل النقد الموزون وتبعه في ذلك عبد الله بن الزبير ثم كانت إشاعة سكه والتعامل به على يد عبد الملك بنفس الوزن الذي التزم به من قبله تنفيذًا لما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما نطمئن إليه كل الأطمئنان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت