فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 318

هذه صفوة من تصوراتهم للنقد لا نريد أن نناقشها لأن مرد الاختلاف بينها عند التأمل هو اختلاف البيئات ثم الأجيال، وكذلك تباين ما بلغهم من نصوص معتمدة، فواضح أن بعضهم لم يبلغه مثلا أن عمر - رضي الله عنه - سك بعض النقود فحسب أن الأمويين هم الذين أحدثوا سكها، وكذلك لم يبلغه فعل ابن الزبير، ومنهم من بلغه فعله ولم يبلغه فعل عمر بيد أنهم مجمعون - عدا ما نقلنا عن ابن تيمية وبعض من شذ غيره - على أن السكة المعتمدة في عصر التابعين وبقية الصحابة أيام بني أمية إنما اعتمدت لأنها التزمت وزنًا بما كان عليه التعامل في الذهب والفضة لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المقادير الموزنة التي بنى عليها التشريع في الزكاة والنكاح والديات والمعاملات وما إليها من الشئون ذات العلاقة بالتبادل المالي. وكذلك لم يقل أحد ممن يعتمد قولهم بأنه يمكن قبول كيل أو وزن غير اللذين اعتمدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والذي يعنينا في هذا المجال ليس مناقشة بعض الآراء تاريخيًا أو فقهيًا، فهذا شأن له مجال آخر، وإنما تقديم صورة واضحة لوجود اضطراب في النقد منذ العصر الأول للهجرة ومن قبل الإسلام ترتبت عليه أحكام سنرى بيانها مفصلا في الفصل الآتي وما بعده، وهي الأحكام التي سنعتمد عليها وليس لأحد أن يعتمد غيرها في تبيان موقف الشريعة الإسلامية من تغيير العملة ومدى تأثر المعاملات بين المسلمين بها ما التزموا بضوابط الشرع الإسلامي.

عندما أخذ المجتمع الإسلامي ينشأ في المدينة المنورة نتيجة لهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها كانت أنماط من المعاملات سائدة فيها، وفيما حولها وجلها - إن لم نقل كلها - كان سائدًا في مختلف أنحاء العالم المتمدين، وخاصة الأقطار التي يتصل بها العرب بالتجارة تصديرًا واستيرادًا. أو بالأحرى نقلا للبضائع إليها ونقلا لها منها، وأبرزها فارس وبيزنطة. وكانت المقايضة هي الطريقة السائدة في أغلب حالات الاتجار عندهم، وإن أخذ التعامل بالنقد يحسر مداها ويحصر مجالها شيئًا فشيئًا، بيد أن التعامل بالنقد نفسه تأثر تصوره في عقولهم يومئذ بصورة المقايضة، ذلك بأن الذهب والفضة لم تستأثر إحداهما بالهيمنة على النقد المتعامل به باعتبارها المعيار الوحيد له، وإنما كانتا معًا تمثلان المعيار النقدي وتتناوبان السيطرة على سوقه بصورة تشبه إلى حد كبير قاعدة العرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت