ذلك بالنوعين الآخرين من الربا ربا النسيئة وربا الفضل الواردين في الحديث الشريف - إلى منزلة دنيا من الحظر؛ إذ إن الظاهر من عباراته أنه يعتبر أن النهي عنهما الوارد في الحديث الشريف إنما هو الكراهة لا للتحريم، كالنهي عن أكل سباع الوحش والطير وهذا ما يقرب كثيرًا من مذهب ابن عباس الذي سنبينه فيما يلي.
قلت: وقد خالط رشيد رضا بين أمرين لا سبيل إلى دعوى المماثلة بينهما فيما يستدل لمذهبه فقضية لحوم سباع الوحش والطير أشبه ما تكون بقضية الحمر الأهلية، لكل منهما ظروفها وملابساتها، وليس هذا مجال بيانها ولذلك كان القول بأن النهي نهي كراهة فيهما أو في إحداهما قول وجيه له ما يسنده.
أما قضية العرايا التي تعلق بها هو ومن على شاكلته، فهي رخصة جاءت من الشارع صلوات الله وسلامه عليه، لحكمة رآها ليس هذا مجال تفصيلها ولو أنها جاءت منه نصًّا لما أمكن لأي مجتهد أن يجرؤ على تشريعها لما فيها من تماثل يكاد يكون كاملًا مع غيرها من صيغ ربا الفضل لولا ما يميزها من الحكمة التي من أجلها رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال السنهوري - رحمه الله:-
وغني عن البيان أن القول بأن ربا النسيئة، وربا الفضل إنما نهي عنهما في الحديث الشريف،
نهي كراهة لا نهي تحريم، لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب الفقهية منذ القديم، وقد اعترض الأستاذ زكي الدين البدوي بحق على هذا الرأي في مقاله المشهور في (مجلة القانون والاقتصاد، السنة الخامسة: ص 187) ، وما بعدها، فقال: فخلاصة رأي السيد رشيد المتقدم حصر الربا المحرم في ربا الجاهلية الذي لا يدخل في مفهومه لا القرض بفائدة تشترط عند العقد، ولا بيع الأصناف الستة الواردة في السنة، ولا المعاملات الأخرى التي ألحقها فقهاء المذاهب الأربعة بالأصناف الستة في التحريم.
وإنا نلاحظ على هذا الرأي أنه مع صحته فيما يتعلق بالقرض بفائدة وغيره من المعاملات التي عدى إليها الفقهاء حكم التحريم في بيع الأصناف الستة بجامع علل اختلفوا فيها اختلافًا كبيرًا مما يؤيد رأيه في أن تحديد الوسائل ودرجة إفضائها إلى المقاصد من أشق الأمور التي تختلف فيها الأفهام، فلا تطمئن النفس إلى أن يكون شيء كهذا مناطًا للقول بالتحريم الديني - أقول: مع التسليم بصحة رأيه في هذه الجزئية فإنه يتعذر التسليم به في جزئية أخرى وهي قوله بعدم دخول بيع الأصناف الستة في الربا المحرم؛ لأن بيع الأصناف وإن كان وسائل وذرائع إلى الربا، إلا أنها وسائل وذرائع