فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 318

فإذا كان الربا الجلي عند ابن القيم هو ربا الجاهلية، وهو النوع الأول، والربا الخفي هو ربا الفضل، وهو النوع الثالث، فأين يقع النوع الثاني من الربا وهو ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف، أهو ربا جلي يلحق بربا الجاهلية أم هو ربا خفي فيلحق بربا الفضل؟ الظاهر أن ابن القيم قد ألحقه دون أن يصرح بذلك - بربا الجاهلية - فجعله ربا جليًّا مثله، فهو عندما يتكلم عن ربا النسيئة باعتبار أنه هو الربا الجلي يقصد كلًّا من ربا الجاهلية وربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف.

ولا يسعنا إلا أن نقف عند ما ينطوي عليه التمييز الذي يقول به ابن القيم من التحكم فهو قد ألحق ربا النسيئة بربا الجاهلية وجعل للنوعين حكمًا واحدًا مع أن مصدر التحريم مختلف في ربا الجاهلية مصدر التحريم القرآن الكريم وفي ربا النسيئة مصدر التحريم الحديث الشريف.

قلت: لكن السنهوري غفل عن حقيقة لا مراء فيها وهي أن الحديث الشريف - وإن كان آحاديًّا إلا عند ما لا يعمل بالآحادي، وهو شاذ لا يلتفت إليه - إذا جاء في حكم ورد في القرآن الكريم مجملًا أو بحاجة إلى مزيد من التفصيل فهو بيان لما تضمنه من قوة الحكم نفس ما للنص القرآني وهنا كان مزلق الكثير ممن لا يفرقون بين ما هو من السنة المجردة غير متصل بحكم منصوص عليه في القرآن وما هو بيان أو تفصيل أو تخصيص أو تقييد، أو ما إلى ذلك ورد فيه نص للقرآن الكريم، فالأول يمكن اعتباره أدنى درجة في قوة الحكم. أما الثاني فلا سبيل إلى التمييز بين درجته ودرجة النص المبين أو المفصل به من حيث قوة الحكم.

أما الثاني فلا سبيل إلى التمييز بين درجة النص المبين أو المفصل به من حيث قوة الحكم وإن اعتبر اللفظ الحديثي من حيث العلم ظنيًّا لا يرقى إلى درجة النص القرآني من حيث القطعية بل وحتى إن كان اللفظ الحديثي متواترًا، والعلم به قطعي يقيني فإنه مع ذلك لا يسامت من حيث درجة العلم به النص القرآني وهذا التمايز يكاد يكون نظريًّا صرفًا وإن شئت فعقيديًّا صرفًا وليس له أثر يذكر في تقييم الأحكام وتصنيفها وهذا ملحظ دقيق قل أن ينتبه إليه الناظرون في شؤون التشريع الإسلامي مع أنه واجب الملاحظة والانتباه.

ثم قال السنهوري - رحمه الله:

ثم هو في الوقت ذاته قد فصل ما بين ربا النسيئة وربا الفضل، فجعل الأول جليًّا، والثاني خفيًّا مع أن مصدر التحريم فيهما واحد وهو الحديث الشريف.

ولا شك أن هذا الحكم لا مبرر له فإما أن يجعل للأنواع الثلاثة حكمًا واحدًا، ويعتبر أن درجة التحريم المستمدة من الحديث الشريف معادلة لدرجة التحريم المستمدة من القرآن الكريم، كما فعل فقهاء المذاهب كما قدمنا، وإما أن يميز بين درجة التحريم المستمدة من القرآن الكريم فيجعل ربا الجاهلية وحده هو الربا الجلي وبين درجة التحريم المستمدة من الحديث الشريف، فيجعل كلا من ربا النسيئة وربا الفضل ربًا خفيًّا ولا يقصر الربا الخفي على ربا الفضل وحده.

قلت: ليت شعري ما الذي يميز بين ألوان الربا ويعطي لبعضها حكمًا يختلف عن بعض في حين أن ربا الفضل وردت فيه نصوص من الحديث النبوي لا سبيل إلى اعتبارها أدنى درجة في قوة الحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت