منصوصة ودلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الأفهام، أما قوله: إن النهي عن بيع هذه الأصناف كان تورعًا لإفادة أن بيعها خلاف الأولى أو كان للكراهية فقط لا للتحريم، فدعوى تتعارض مع ظواهر نصوص الأحاديث والمأثور عن الصحابة فظاهر الأحاديث يفيد التحريم إذ أطلق على هذه البيوع لفظ الربا ومعلوم إثمه وما خص به من شديد الوعيد، وإذا سلمنا أن إطلاق لفظ الربا هنا من قبيل المجاز؛ لأن هذه البيوع ذرائع إلى الربا فلا أقل من أن تكون للشارع حكمة في إلحاقها بالربا، وهي أن يكون لها حكمه وهو الحرمة، وإن كانت حرمتها أخف من حرمة الربا الحقيقي بحيث يتجاوز عنها فيما تدعو إليه الحاجة كما هو رأي ابن القيم.
قلت: يغفر الله لزكي بدوي كان أولى به، وهو رجل القانون الضليع أن يجادل رشيد رضا في دعوى"الذرائعية"، في تحريم الربا في الأصناف الستة وأن يدمغه بأن المناط الجامع لتشريع التحريم هو أن التعامل بالمفاضلة فيها ظلم في حد ذاته آية ذلك أن كلمة الربا في القرآن الكريم لم يأت معها أو في سياقها ما يحدد دلالتها فكان الحديث النبوي الشريف هو الذي حدد مدلولها تمامًا كما حدد مدلول الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع العبادات والمعاملات التي لم يأت نص بيان جزئياتها أو مدلولات أسمائها والسنة النبوية مبينة بالإجماع ولو لم تكن مبينة لانبهم على المكلفين الكثير بل الأغلب من شرائع الله في العبادات والمعاملات، وإذن فالربا الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث وعين مجاله أو أمثلة لو في الأصناف الستة هو الربا الذي جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [الآية 279 من سورة البقرة] . بعد أن توعد آكل الربا بذلك الوعيد الشديد الذي لم يتوعد به فاعل أية فاحشة مهما عظم وزرها وليس في الشرع الإسلامي قرآنًا أو حديثًا، ما يدعو إلى التماس الفرق بين نوع وآخر من الأنواع الربوية التي كانت معروفة في العهد النبوي ولا مجال إلى الدعوى بأن بيع الأصناف الستة بالتفاضل في الجنس الواحد لم يكن معروفًا في العهد النبوي، فلو كان كذلك لما ورد في الحديث الشريف في صيغ مختلفة وحول وقائع مختلفة واستفاض لدى الصحابة حتى اشتد عمر في بعض صوره أو الصور القريبة منه تلك الشدة المستفيضة في حديث مالك بن أوس بن الحدثان.
وهذا النوع من الربا من المرجح أنه أيضًا كان معروفًا لدى اليهود الذين أنزل الله فيهم قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الآية: (161) ] . وفي كلتا الآيتين آيتي البقرة، وهي من آخر ما نزل في الأحكام أو آخرها، وآية النساء، وهي مدنية