حنطة ثم قال له بعد ذلك: أعطني بدرهم، وأقلني من درهم، فقلت له: بعد الوجوب؟ قال: نعم كأنه حمله على وجه المساومة وفيه تفسير من البيع.
وسائل عن الفلوس مراطلة، وفي العدد اختلاف، فقال: هذا حرام لا يحل ولا يُجَوِّزُ أحد هذا من أهل العلم لأن جواز الفلوس بعيونها وإن كان بعضها أثقل من بعض، فأحدهما يخاطر صاحبه ولو جاز أن يباع الفلوس بالفلوس مراطلة لجاز أن تباع الفلوس مراطلة بالدراهم والدنانير، ولا يدري ما يدخل في عددها فهو غرر وقد (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ) ). وسئل عن الرجل يشتري رطل الفلوس بدرهم أو رطل دراهم بدينار لما لا يجيزه مالك بَيِّنْ لي؟ قال ابن القاسم: أما الفلوس فلا خير فيه، وأما الورق فإن كان الرطل وزنًا معرفًا بمنزلة هذه الحديدة التي قد ضربت وجعلت للناس معيارًا في وزنهم، فلا بأس به وإن كانوا يعرفون ما يدخل فيه من دراهم، ولم تجر معرفته بين الناس حتى تكون مثل هذه الحديدة فلا خير فيه فقاله أصبغ أيضًا.
قال ابن رشد: هذه مسألة بينة في المعنى، مثل ما في المدونة، أما الفلوس فإنما تجوز عددًا وهو الصرف، فالانتقال عن المعروف فيها من العدد إلى الوزن لا يجوز لأنه غرر، كما أن ما العرف فيه أن يباع وزنًا من جميع الأشياء، فلا يجوز أن يباع كيلًا وما العرف فيه أن يباع كيلًا، فلا يجوز أن يباع وزنًا وهذا منصوص عليه في المدونة وغيرها، فلا تجوز المراطلة فيها ولا يسعها بالوزن، وأما بيع الدراهم بالرطل، فكما قال: إن كان الرطل يعلم كم فيه من درهم فهو جائز وإلا لم يجز.
ثم قال (ص 23، من كتاب الأقضية) :
وسئل ابن نافع، عن صرف الفلوس بالتأخير، يعجل الدينار والدرهم، ويقبض الفلوس إلى أجل، فقال: كان مالك يكره ذلك إذا صارت سكة تجري ثمنًا للأشياء ولست آخذ به ولا أراه وأنا أرى الفلوس عرضًا من العروض كالنحاس الذي لم يضرب فلوسًا، ولا أرى بأسًا بما تأخذ منه ولا عده صرفًا.
قال ابن رشد: قول ابن نافع هذا مثل رواية عبد الرحيم، عن مالك، في كتاب القراض من المدونة، وإنما كره مالك - رحمه الله - في المشهور عنه التأخير في صرف الفلوس، لأن العلة عندهم في الربا في العين من الذهب والورق، هو أنه ثمن للأشياء وقيم للمتلفات، فرأى على هذا القول هذه العلة علة متعدية إلى الفلوس لما كانت موجودة فيها، إذا صارت سكة تجري بين الناس يتبايعون بها، ويقوِّمون كثيرًا من المتلفات بها ورآها على رواية عبد الرحمن عنه علة واقعة - لعل صوابها: واقفة - لا تتعدى إلى ما سوى الذهب والورق ولكلا القولين وجه من النظر وبالله التوفيق.