الغبن محتمل حتى مع إباحة هذا النوع من الربا، فقد يحدث انهيار اقتصادي ومالي يؤدى إلى انخفاض حاد في سعر النقد المعين في عقد الإقراض، بحيث يصبح المبلغ المقترض يوم أدائه مع الفوائد الربوية عليه أقل قيمة في الحقيقة منه يوم القرض بغير فوائد ربوية، فالغبن الذي يزعمون تجنبه بإباحة هذه الفوائد لا يؤمن اجتنابه بإباحتها ويقاس على دحضنا لهذه الشبهة ما يشاكلها من الشبهات الأخرى من تأثر أصحاب العقارات المؤجرة بانخفاض قيمة المبلغ المعين في الإيجار وما شاكل ذلك، وفي هذه الصورة بالذات نسائل من يتخذون منها شبهة فيما إذا ارتفعت قيمة العملة في الإيجار هل ينخفض مبلغ الإيجار تلقائيًّا لإنصاف المستأجر أم يتشبثون عندئذ بمبدأ"التعيين"المترتب في الذمة عند التعاقد.
على أن المخرج في رأينا من هذه المشاكل والشبهات التي يثيرها اضطراب العملات في هذا العصر اضطرابًا يكاد يفقد دلالتها القيمية هو في أن تجتمع الدول الإسلامية على عملة بينها تكون المؤشر المعتمد لعملاتها المحلية وتتخذ الذهب أساسًا لها ومعيارًا، وتبرم جميع التعاقدات بين كل واحدة منهما والأخرى أفرادًا ومؤسسات ودولًا على أساس هذه العملة المقترح إنشاؤها كما تكون المعيار الذي تحدد على أساسه أنصبة الزكاة وقيم العقوبات الجنائية، وما إلى ذلك مما يتصل بالنقد في مختلف المجالات الشرعية، ولعل ذلك لو حدث يكون أساسًا للتوحيد المالي ثم الاقتصادي ثم السياسي بينها، وهو المصير الذي لا مناص من أن تصير إليه لكن ربما تأخر تحقيقه لعدة أجيال.
وإذا تعذر الأخذ بالذهب أساسًا لتقويم العملة الدولية الإسلامية لسبب قد يكون الرغبة في الاتساق مع ما يجري عليه العرف الدولي العام، فلا أقل من أن تنشئ الدولة الإسلامية فيما بينها نمطًا من"حقوق السحب الخاصة"، كما فعل صندوق النقد الدولي، وكما فعلت دول السوق الأوروبية المشتركة ويمكن لهذا الوحدة أن تعتمد مرجعًا لتحديد قيمتها ما يسمى"سلة العملات"، مكونة إما من مجموع عملاتها المحلية وإما من مجموع العملات الدولية المتعامل بها، باعتبارها عملات عالمية، لأن اعتماد هذا النوع من المرجع لتحديد القيمة يجنب الوحدة المقترح إنشاؤها اغلب عوامل الاهتزاز والاضطراب التي تتعرض لها العملات في الأسواق المالية نتيجة لتقلبات الأوضاع الاقتصادية المحلية والعالمية.
بقي أمر آخر لا سبيل إلى إغفاله وهو التعامل بين الدول الإسلامية والدول الأخرى، وقد يشتبه البعض في المعقبات التي تنتج فيه بسبب اضطراب قيم العملات وما يتسبب فيه من خسارة للدول الإسلامية أحيانًا إذا اضطرت إلى دفع ديونها أو المستحقات في ذمتها بعملة ارتفعت قيمتها ارتفاعًا