فاحشًا عند الأداء عما كانت عليه عند التعاقد، وقد يتعلل البعض بهذا الاحتمال وبعكسه أيضًا بالدعوة إلى الأخذ بفتوى بعض المذاهب الإسلامية بإباحة الربا من غير المسلمين من أهل الحرب، وهي دعوة نتحرج من الأخذ بها، لأن تحديد أمر دار الحرب قد لا يكون ميسورًا في هذا العصر بالصورة التي يريدونها، فمن هو المحارب للمسلمين الذي ينطبق عليه اعتبار الحر؟ لقد شرع الإسلام احترام المواثقة إلى درجة أنه لم يوجب مناصرة الأقليات الإسلامية المقيمة في غير دار المسلمين ممن بيننا وبينهم ميثاق، قال الله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الآية 72 من سورة الأنفال] ، وواضح أن المواثقة لا تعني الاستسلام الذي يترتب عنه الدخول في الذمة والخضوع لأحكام خاصة لكن المواثقة تعني التعامل على أساس المماثلة (لا غالب ولا مغلوب) ، بل قد تعني حتى نوعًا من"المداراة"يضطر إليه المسلمون في حالة ضعفهم، كما شأننا الآن مع أغلب الدول غير الإسلامية ولو أننا أغفلنا"مبدأ"المواثقة لكان علينا أن نتحمل كثيرًا من التبعات من اعتبار جميع الدول غير الإسلامية وغير الداخلة في ذمة المسلمين دولا محاربة، وهذا لا يقول به عاقل على أن القول بإباحة الربا مع المحارب خارج دار الإسلام أعرض عنه جمهور الفقهاء المجتهدين وذلك هو الحق، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع ربا الجاهلية في حجة الوداع، وما من أحد يزعم بأن جميع العرب كانوا في وضعه له على أنه وضع ما بين العرب، وإنما وضع ربا الجاهلية عامة، ولم تكن معاملة العرب منحصرة فيما بينهم فقد كانت لهم معاملات مع الشام وهي يومئذ خاضعة للبيزنطيين، ومع فارس ولم تكن قد أسلمت ومع أثيوبيا (الحبشة) ، ولم يكن أهلها جميعًا مسلمين، ولا ثبت أن الأحكام الإسلامية كانت تطبق فيها وإن كان النجاشي قد أسلم على أنه - رحمه الله - توفي قبل حجة الوداع، فالقول بإباحة الربا مع أهل الحرب خارج دار الإسلام قول لا ينبغى اعتماده إلا في حالات اضطرارية شاذة مثل أن تضطر دولة إسلامية إلى التعامل التجاري مع دولة غير إسلامية أنظمتها في التعامل لا مناص في أن تمر من خلال قنوات ربوية كما هو الوضع السائد الآن، وفي هذه الحال يتعين على الدولة الإسلامية أن تتحرى ما أمكنها التحري أن يكون ما تأخذ لا يربو عما تعطي، وبذلك تتجنب أخذ الربا بموازنتها بين الأخذ والعطاء.
على أن من الصعب التمييز بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية في الأوضاع الراهنة، إذا التزمنا بالضوابط الإسلامية لدار الإسلام عن دار الحرب، فليس دار الإسلام هي تلك التي يحكمها حاكم ينتسب إلى الإسلام، وإنما هي التي تحكم بالشريعة الإسلامية وتطبق فيها أحكامها - أو على الأقل