فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 318

وهذا التطور في تصور النقدية في العملة المسكوكة لا يختلف في جوهرة عن تصورنا في العصر الحاضر لها في العملة الورقية.

ومع أن الذهب لم يعد المؤشر الوحيد المعتبر في تعيين قيمة العملة الورقية المتداولة، فإنه لا يزال من بين المؤشرات المعتبرة على أن اعتباره أو عدم اعتباره ليس بذي بال في الحكم الشرعي الذي يعتمد العرف وما شاكله كاعتماد أولي الأمر مثلًا في تحديد الأحكام المتصلة بالمعاملات.

وتبرز أمامنا أحوال مختلفة يتعين بيان الحكم الشرعي في كل واحدة منها على أنها في جوهرها ليست بدعًا مما سبق أن عرفه الأولون من المجتهدين وفقهاء المذاهب.

الحالة الأولى نصاب الزكاة، فكيف يتم تحديده بالعملة الورقية، بل هل العملة الورقية مما تجب فيه الزكاة؟ لقد حاول البعض التشكيك في وجوبها فيها إذ اعتبروا أن الزكاة إنما وجبت في الذهب والفضة لذاتهما فحسب، وهو اعتبار يضطرب بين القصور في الفهم والاشتباه في الوعي الدينى، ذلك بأن الزكاة في الذهب والفضة فرضت فيهما على حالين: حالة العينية وهي ما جاء التعبير في الحديث الشريف عنها بالموازين (الأواق) والحالة النقدية وهو ما جاء فيه التعبير عنها بالعدد (الدراهم) و (الدنانير) ، فلو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد إبراز الملحظ النقدي لكان التعبير بـ"الأواق"كافيًا في الفضة على الأقل وعندئذ يمكن القول بأن"الدنانير"إنما أريد بها تعيين الوزن المقابل للأواق الفضية، لكن تحديده صلى الله عليه وسلم لكلمة الدراهم وكلمة التقويم الواردة في حديث عمرو بن شعيب في كتابه لعمرو بن حزم عند تحديد نصاب الذهب في الزكاة كلاهما دليل صريح على أن اعتبار النقدية له كيان متميز في تشريع الزكاة عن اعتبار العينية في الذهب والفضة.

ينتج عن هذا تلقائيًا أن كل ما وجد فيه اعتبار النقدية تجب فيه الزكاة.

أما أساس تحديد النصاب في أية عملة غير ذهبية أو فضية فهو قيمتها من الذهب والفضة مجتمعين، فإذا تساوت بالقياس إليهما فتلك هي القيمة، وإذا اختلفت عند المقارنة مع كل واحد منهما فالراجح عندنا اعتبار القيمة بالنسبة إلى الذهب على أساس تحكيم الفرق في التقويم والعرف قد أسقط الفضة من التقويم لكن اعتبارها على أساس المقارنة بالفضة له وجاهته من حيث الأساس الذي اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أسقطنا أن الاعتبار النبوي لهذا الأساس قائم على ملاحظة العرف السائد يومئذ وملاحظته هو المرجح له عندنا على الدلالة اللفظية لنص الحديث.

أما الحالة الثانية فهي العقوبات المالية مثل الديات والقصاص، وفي هذه نرجح أن تحديدها يتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت