قول الباجي - رحمه الله - في (المنتقى: 2/ 95) ، في معرض الاستدلال لأن النصاب في زكاة الذهب عشرون دينارًا-:
ودليلنا من جهة المعنى أن المائتي درهم نصاب الورق ولا خلاف في ذلك، والدينار كان صرفه في وقت فرض الزكاة عشرة دراهم فوزان المئتي درهم عشرون مثقالًا فكان ذلك نصاب الذهب.
وأحسب قول الباجي هذا ملحوظًا فيه قول مالك - رحمه الله - فيما روى عنه ابن القاسم وسبق أن نقلناه عن ابن رشد في فصل"أحكام تتصل بالفلوس عند أيمة المذاهب وأشهر مجتهديها"وحاصلة ما يلي:
ثم قال (نفس المرجع: ص 395، 396) :
قلت - يعنى لعبد الرحمن بن القاسم: أرأيت إن اشتريت فلوسًا بدراهم فافترقنا قبل أن يقبض كل واحد منا؟ قال: لا يصلح هذا في قول مالك وهذا فاسد، قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة.
ولا يختلف هذا عما اعتبره أحمد من اصطلاح الناس وأثره في اعتبار النقد، مما سبق أن نقلناه في الفصل المذكور آنفًا عن ابن قدامة، وكذلك ما نقله السرخسي عن محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبي حنيفة من اعتبار العرف في التعيين عند العقد باعتبار ما عين في العقد نقدًا وإن كان تبرًا غير مسكوك.
ونتيجة للاعتراف بالعرف أو الاصطلاح أساسًا لإضفاء الصبغة الشرعية على النقد المتداول جاءت فتاويهم في الأحوال المترتبة عن ابطال العملة المتعاقد بها أو إرتفاع سعرها أو انخفاضه إذا كان العقد ينطوي على التأجيل في المعاملات التي يجوز فيها التأجيل، فقال بعضهم بالمثلية عند الانقطاع إذا وجد المثل وبالقيمة عند انعدامه، وقال آخرون بالقيمة في الحالتين، لأن المثل المتعاقد عليه لم يعد له وجود في الحقيقة وإن كان عينه موجودًا كالسكة من الفلوس النحاسية إذا أبطل التعامل بها أو تغير سعرها ارتفاعًا أو إنخفاضًا، على أنهم اختلفوا في حالة تغير السعر فاعتبر بعضهم القيمة عند التعاقد واعتبر آخرون القيمة عند الأداء، واعتبر فريق ثالث الفرق بين حالة المماطلة وحالة عدمها فألزم عند المماطلة القيمة يوم الأداء، وألزم عند عدم المماطلة القيمة عند التعاقد وكأن هذا الفريق أخذ بمبدأ تغليظ العقوبة في بعض الأحوال واعتبر المماطلة من تلك الأحوال.