هذا الأساس من اعتبار الفضة أساسًا لتقويم النقد والذهب تبعًا لها كان العمل في عهد الصحابة ليس فيما يتصل في الزكاة فحسب، بل في جميع المجالات ذات العلاقة بالمعاملات النقدية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى عليه عمر من تحديد قيمة الدية لمن ليست له إبل، فقد حددها بادئ الأمر بثماني مئة دينار، ثم رفعها إلى ألف، ثم إلى ألف ومائتي دينار بناء على اعتبارين: أحدهما ارتفاع قيمة الذهب بالنسبة إلى الفضة، والثاني - وهذا أمر هام جدًا- اعتبار قيمة الإبل بالنسبة إلى الذهب والفضة فكان عمر بذلك السابق إلى إشراك غير النقدين في تحديد قيمتهما وهو ما يطلق عليه اليوم بـ"الطاقة الشرائية"المعتبرة مع غيرها في تحديد قيم العملات.
ثم إنه - رضي الله عنه - لم يقف عند وضع الأساس لهذا المبدأ، وإنما أتبعه بوضع أساس مبدأ آخر وهو عدم إخضاع الأحكام الشرعية لاستمرار الاضطراب في قيمة العملة فعندما جعل قيمة مائة من الإبل في الدية ألفًا ومائتي دينار أو اثني عشر ألف درهم ومنع الزيادة عن ذلك في غير حالات"التغليط"علل هذا التحليل بالخوف من أن يرهق الناس في حالة الارتفاع الفاحش لأسعار الإبل فيكلفوا ما لا يطيقون وهذا أساس لأحكام كثيرة من أبرزها"التسعير"عند الضرورة واعتبار الاحتكام إلى الطاقة الشرائية في سعر العملة ليس مطلقًا وليست لها الهيمنة على تقديره، وإنما هي واحدة من المؤشرات التي يستدل بها عند التقدير.
ومع أن النقد كان في العهود الإسلامية الأولى يتمثل في الازدواجية بين العينية والاعتبار في العملة أي في أن الذهب والفضة في ذاتها قيم وأثمان وأن المسكوك منهما يضيف عند التثمين والتقييم إلى وضعهما الذاتي اعتبار السك يعني الاعتماد الرسمي للقطعة المسكوكة بأنها أداة معتمدة في التثمين والتقييم.
ومع أن الفلوس كانت موجودة في تلك العهود ولكن كرديف للذهب والفضة يتعامل بها في المعاملات الصغيرة التي لا تمثل قيمة مؤثرة في التمول، فإن المجتهدين الأول من التابعين وأئمة المذاهب كانت لهم اجتهادات تبرز في أحيان شتى مرحلة ابتدائية من تصور الاعتبارية في النقد من حيث إنها مؤثرة بذاتها في تكييف الأحكام الشرعية المتصلة بالمعاملات، فكانت اجتهاداتهم في مبادلة الفلس بالفلسين واعتبارها من الربا وتحرج بعضهم منها وإن لم يعتبرها كذلك بداية تطور في فقه النقود إن صح هذا التعبير، وكان اعتبارهم للعرف في تصور حقيقة النقدية مصدر هذه الاجتهادات وهو اعتبار لازم اجتهادات الفقهاء خلال العصور الستة الأولى للهجرة وتلقاه بعد ذلك المقلدة فالتزموا به في تفريعاتهم لاجتهادات أيمتهم، ولعل من أوضح ما يصور اعتبار العرف عندهم