فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 318

أما الحرج الوارد ذكره في آيتي سورتي المائدة والحج، فقد جاء التباس معناه على جمهرة المفسرين والأصوليين والفقهاء من اعتبارهم كلمة"من"صلة زائدة أو ما إلى ذلك على حين أنها لما يسميه ابن هشام في (المغني: ص 124) ،"التنصيص على العموم"، و"توكيد العموم"، وهما معنيان من معاني من فصل بينهما ابن هشام ولعل الفصل بينهما لا مسوغ له عند التأمل والتحرير فَـ"من"في هاتين الآيتين تنص مؤكدة على نفي عموم الحرج وما من شك ولا سبيل إلى المرء في أن إيجاب الوضوء على من يريد الصلاة وفي أن الصلاة نفسها بشعائرها وطقوسها، وفي أن الجهاد لما فيه من مخاطرة بالروح والمال فضلًا عما يلبسه من عنت ووهن لا يخلو من بعض المضايقة لمن لم يبلغ من الإيمان درجة الشعور بالابتهاج والسعادة عند أداء الشعائر الدينية وخاصة عند الصلاة التي هي الفرصة المهيأة للمؤمن لأن ينعم بمناجاة الله وهذه درجة قل من يبلغها من صفوة المؤمنين فضلًا عن عامتهم؛ ولذلك جاء تعليل فرض الوضوء بعد قوله سبحانه وتعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ، صريحًا بقوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} ، ثم طولب المؤمن ليس بعدم استشعار الحرج من الوضوء فحسب ولكن بإدراك ما فيه من النعمة والتعبير عنه بشكر الله، وذلك بقوله تعالى في آخر الآية: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} . أما في آية سورة الحج فكان سر نفي الحرج عن تشريع الصلاة والجهاد فيها أدق وأبعد عن الأفهام العادية إلا تلك التي رزقها الله من قوة الإيمان ما يهيئ استشراف ألطافه الخفية ولذلك جاء نفي الحرج فيها بأسلوب يختلف عنه في آية الوضوء؛ إذ الحرج باعتبار جانبه المادي قائم لا سبيل إلى ادعاء عدم قيامه لا سيما في الجهاد، بيد أن نفيه كان باعتباره مصدره ومآله فالصلاة والجهاد اللذين جاء بهما الإسلام استمرار لملة إبراهيم أبي العرب الذين نزل القرآن بلسانهم لحًّا وأبي المسلمين الذين أمروا بالإيمان به واتباعه روحًا والإنسان مطبوع على حب الاستمرار فيما كان عليه آباؤه وأسلافه، ثم إن هذا الحرج يؤهل المؤمنين لأمرين عظيمين يهون بالمقارنة بهما، الأول: أنهم به يكونون شهداء على الناس، ويكون الرسول عليهم شهيدًا، والثاني: أنه يؤهلهم لولاية الله ونصرته، {هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ، وكل واحد من هذين الأمرين عند تدبره بإيمان وبصيرة يهون في سبيل الحصول عليه كل حرج فكيف بهما معًا.

يتبين فيما سبق أن فهم المشبوهين والمشتبه عليهم من متفقهة هذا العصر لمعنى رفع الحرج عن المسلمين فهم منحرف انحرافًا جوهريًّا عن دلالة نفي الحرج الذي جاء في القرآن الكريم وعن دلالة إرادة اليسر، ونفي إرادة العسر اللذين جاءا فيه أيضًا.

وإذا تبين بطلان فهمهم المنحرف هذا تبين بالضرورة بطلان كل ما بنوا على هذا الفهم المنحرف من مقدمات ونتائج يحاولون الوصول بها إلى تحليل ما حرم الله.

ولعلنا بما وقفنا عند شبههم هذه - وليست هي كل شبههم وإنما هي أبرزها في تقديرنا - قد خلصنا إلى إيضاح أن ما استهدفوه بادعائهم أن النقود الورقية وما شاكلها مما يتعامل به في العصر الحاضر محليًّا أو دوليًّا لا تنطبق عليها المواصفات الواجب توفرها لتطبيق شريعة الربا عليها وما فرعوا عن ذلك من التلبيس على العامة والأغرار حول اضطراب العملة ونتائجها على بعض الشعائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت