الغير وأرخص للمضطر أخذ قدر ضرورته منه.
قلت: لكن يبدو أن الدكتور البوطي غفل كما غفل كثير غيره عن مدلول كلمة الحرج في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الآية 78 من سورة الحج] ، وهي من الآيات التي استدل بها وكذلك في قوله تعالى في آيه الوضوء: [الآية 6 من سورة المائدة] {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ، وعن مدلول كلمة اليسر والعسر في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الآية 185 من سورة البقرة] ، ومن عجب أن جمهرة المفسرين والأصوليين وقفوا عند ظاهر اللفظ من العسر واليسر والحرج في القرآن والحديث وقفة كثيرًا ما أحرجتهم فذهبوا يلتمسون المنافذ من حرجها، ولو أنهم تجاوزوا بتدبرهم لمعاني هذه الكلمات ظواهرها المتبادرة إلى الأفهام إلى ما يدل عليه السياق ويقتضيه المناط لما شعروا بالحاجة إلى منافذ من حرج موقفهم؛ لأنهم ما كانوا ليجدوا حرجًا.
ونبدأ بكلمتي اليسر والعسر، فما من شك ولا سبيل إلى المراء في أن في الصوم مشقة قل من لا يجد من الناس، وقد اعتبرها الشارع الحكيم الخبير فرخص للمريض والمسافر والمطيق.
-أى من تبلغ مشقة الصيام عليه حدًّا يتجاوز الاستطاعة المعتادة - أن يفرطوا على أن يعوض المريض والمسافر عن الأيام التي أفطرها بصيام مثلها عددًا بعد زوال علة الترخيص في الإفطار من المرض أو السفر وأن يعوض المطيق - إذ لا أمل في أن يستطيع الصوم يومًا ما؛ لأن إطاقته من الكبر وليس من المرض أو السفر - بإطعام مسكين عوضًا عن كل يوم يفطر فيه، وفي ما عدا هذه الحالات - والحيض والنفاس في حكمها - فاليسر الذي يريد الله بشرع الصيام - والله أعلم بأسرار كتابه - هو المناط من شرعه المتمثل فيما يعود به الصيام على الصائم من منافع مادية وروحية مثل آثاره في تقويم الصحة وفي تهذيب الأخلاق وفي صقل القلوب والأرواح فضلًا عما يستحقه الصائم في الآخرة من الأجر ورضوان الله، والعسر المرفوع بتشريع الصيام هو في حقيقته الحرمان من هذه العوائد التي يعود بها على الصائمين، فالآية الكريمة التي جاءت في آخر آيات فرض الصيام وقبل آية الندب إلى الدعاء وضعها الله في موضع يضبط سياقها بما قبلها وبما بعدها ما تنطوي عليه من بيان حكمة الله ولطفه بما شرعه وأوجبه على عباده المسلمين فهو بشريعته يريد بهم اليسر الذي يهيء لهم الخير في الدنيا والآخرة ولا يريد بهم العسر، وإن بدا لهم في شيء منه بعض المشقة؛ لأن ذلك الذي بدا لهم فحسبوه عسرًا إنما هو باعتبار ما ينتج عنه يسر؛ لأنه سبيل إلى اليسر ووسيلة للحصول عليه.