ثم قال: المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة، إنما تعبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية.
ثم قال: وإذا ثبت هذا تبنى عليه قواعد منها، أن لا يستمر إطلاق القول بأن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع كما قرره الفخر الرازي إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي ولا ضرر حقيقي وإنما عامتها أن تكون إضافية.
ثم قال: ومنها أن بعض الناس، قال: إن مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع، وأما الدنيوية فتعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرة، قال: ومن أراد أن يعرف المناسبات في المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشارع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج من ذلك إلا التعبديات التي لم يوقف على مصالحها أو مفاسدها، هذا قوله وفيه بحسب ما تقدم نظر، أما أن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع، فكما قال، وأما ما قال في الدنيوية فليس كما قال من كل وجه بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض، وذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة تبين به ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام، ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق لم يحتج في الشرع إلا إلى بث المصالح في الدار الآخرة خاصة وذلك لم يكن إنما جاء بما يقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة معًا، وإن كان قصده إقامة الدنيا للآخرة فليس بخارج عن كونه قاصدًا لإقامة مصالح الدنيا حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة.
ثم قال: مقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لا تخص بباب دون باب ولا بمحل دون محل، ولا لمحل وفاق دون محل خلاف. وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقًا في كليات الشريعة وجزئياتها.
ثم قال: كما أنه إذا ثبت قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات فلا ترفعها آحاد الجزئيات كذلك نقول: إذا ثبت في الشريعة قاعدة كلية في هذه الثلاثة أو في آحادها فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي وذلك الجزئيات فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي، ألا يتخلف الكلي فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع.
ثم قال (نفس المرجع: ص 3169) .
... يقول كثير من العلماء: إن النهي يقتضي الفساد بإطلاق، علمت مفسدة النهي أم لا، انتفى السبب الذي لأجله نهي عن العمل أو لا، وقوفًا مع نهي الناهي؛ لأنه حقه والانتهاء هو القصد