فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 318

كما أن المفاسد الدنيوية ليست مفاسد محضة من حيث مواقع الوجود إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثيرًا.

ثم قال: فإذا كان كذلك، فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة وإذا غلبت جهة المفسدة فمهرب عنه، ويقال: إنه مفسدة - على ما جرت به العادات في مثله - فإن خرج من مقتضى العادات فله نسبة أخرى وقسمة غير هذه القسمة.

ثم قال: وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب شرعًا، فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعًا.

ثم قال: وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعًا ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسب ما يشهد له كل سليم فإن تبعتها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل بل المقصود ما غلب في المحل وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر.

فالحاصل من ذلك أن المصالح المعتبرة شرعًا والمفاسد المعتبرة شرعًا هي خالصة غير مشوبة بشيء، من المفاسد لا قليلًا ولا كثيرًا، وإن توهم أنها مشوبة فليست في الحقيقة الشرعية كذلك لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة، إنما المراد بها ما يجري في الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة، وهذا المقدار - يعني الخارج الزائد عن حالة الاعتبار الكسبي - هو الذي قيل: إنه غير مقصود الشارع في شرعية اعتبار الأحكام.

ثم قال: إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات؛ فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تخل أحكامها لم يكن التشريع موضوعًا لها إذا ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد لكن الشارع قصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًّا وكليًّا وهذا في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت