فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 318

وهنا ينتهي بنا المسار إلى الشبهة السادسة التي تعلق بها تحليل الربا في هذا العصر وهي شبهة المصلحة العامة بزعمهم التي تضطر المسلمين إلى التعامل مع المؤسسات الربوية؛ لأن طبيعة التنمية التي تفتقر إليها الأمة الإسلامية تبرز ضرورة البحث عن المال اللازم لها كما تبرز أن المصلحة العامة للمسلمين استنادًا إلى هذا الضرورة تبيح ما حرمه الشرع من ربا الفضل إذا لم يتأت اعتبار النقد المتداول في العصر الحاضر قد انفصمت علائقه تقريبا مع الذهب والفضة خارجًا عن نطاق التحريم المنصوص عليه في القرآن الكريم والحديث الشريف؛ لأن النقد الورقي لم تعد له أية علاقة بالذهب والفضة.

وهذه الشبهة تتفرع إلى فرعين الأول مسألة الضرورة وتوسعهم فيها حتى شملت ما يعتبره الشرع من الحاجات بل وتجاوزتها إلى ما يعتبره من التحسينات والضرورة التي تبيح المحظورات هي تلك التي يكون بها الإنسان على شفا الهلاك والموت على أنهم اختلفوا في هذه هل ينحصر أثرها في إباحة الحد الأدنى مما ينجيه من الهلاك المحقق أن يتوسعوا شيئا فيرخص له فيما يؤمنه من الوقوع في هلاك مماثل إلى أن يتيسر له الأمن المطلق من الهلاك مثال ذلك المضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير لإنقاذ نفسه من الموت جوعًا، هل تنحصر إباحة الأكل له في الحد الأدنى ما ينقذه من الموت جوعًا أو يجوز له أن يشبع أو يجوز له أيضا أن يصحب معه أو يدخر ما يأمن به خطر الوقوع في مثل ذلك الجوع الذي أشرف به على الموت إلى أن يدرك مأمنه بأن يبلغ الأماكن المأهولة وما شاكل ذلك.

وجلي أنه لا سبيل إلى دعوى أن مثل هذه الضرورة هي التي تحمل على الالتجاء إلى الربا، فما من مؤسسة يمكن أن تقرض أحدًا على مثل هذه الحال من الفقر وليس له أي ضمان فضلًا عن أن له الحق في أن يقاتل وأن يقتل من يمنعه البلغة ليحصل على ما ينقذ حياته، وقد سبق أن ألمحنا إلى ذلك.

ثم إنه لا سبيل إلى الدعوى بأن حالة الضعف الاقتصادي التي تسم أغلب الشعوب الإسلامية يمكن اعتبارها هذا النوع من الضرورات إذ إنه ما من شعب من هذه الشعوب اكتفى بالحد الأدنى من أسباب المعيشة ولم يتطلع إلى ما فوق ذلك من ألوان الترف والبذخ والرفاهة، يمكن أن يفقد الوسيلة ليس إلى ضمان استمراره حيًّا فحسب بل إلى تحقيق نوع من النماء قد لا يكون سريعًا، بيد أنه يمكن أن يكون متصلًا مطردًا وآية ذلك أن الاتحاد السوفياتي استطاع أن يصبح قوة عظمى رغم حصار دام أكثر من جيل كامل أطبقه عليه خصوم نظامه فاضطر إلى الاعتماد على نفسه واستطاع أن يضمن لشعوبه الاكتفاء الذاتي، وإن كان مع حرمان بدأ شديد القسوة ثم أخذ ينفرج تدريجيًّا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت