فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 318

ودراهمك بأعيانها.

ثم قال: ويقال: لا أقبل إلا درهمي بعينه.

وهذا الذي نقلنا عن ابن منظور يقطع كل سبيل على كل من يريدون أن يصلوا إلى هدفهم من تحليل بعض أنواع الربا اعتمادًا على أن النقد المتداول الآن في جميع الأقطار لم يعد ذهبًا ولا فضة، وإنما هو ورق أو ما يشبه الورق في كونه غير ذي قيمة لذاته، لحجة أن المنصوص على تحريم فيه هو الذهب والفضة، وأن النقد الورقي وما شاكله لا يشمله النص فهو خاضع للاجتهاد ولاعتبارت المصلحة المرسلة أو مقتضيات رفع الضرورة واجتناب الحرج؛ إذ إن كلمة"عينًا بعين"تعني شيئا غير الطبيعة الذاتية للمسكوكات من الذهب والفضة هو الطبيعة الوظيفية لها وهذه الطبيعة الوظيفية انتقلت منها إلى النقد المتداول في العصر الحاضر وحتى إلى ما كان متداولًا في عصور سالفة من أنواع الفلوس.

واعتبار كلمة"عينًا بعين: في الحديث الشريف نصًّا في تحريم الربا في النقود أيا كانت مادتها يقضي على رغم القائلين كون الذهب والفضة أثمانًا للمبيعات وقيمًا للمتلفات لا يصلح اعتباره علة لتحريم الربا فيهما؛ لأنها علة قاصرة لا تتجاوزهما إلى غيرهما ولذلك فعلة تحريم الربا فيهما هو كونهما من الموزونات."

ذلك بأن اعتبار العينية في الحديث الشريف تعني الطبيعة الوظيفية للنقد يجعل من هذه العلة في الجانب النقدي من الذهب والفضة على الأقل علة غير قاصرة، ويعضد ذلك أن مناط تحريم الربا في جميع الربويات هو منع الظلم؛ إذ جاء في آيات سورة البقرة: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} ، وجاء في سورة النساء في معرض التنديد باليهود وبيان أسباب العقاب الذي أنزله الله بهم قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [الآيتان 160، و 161] وفي هذه الآيات مضافا إليها تحريم أكل أموال الناس بالباطل في عدة آيات أخرى دليل على أن لتحريم الربا في الأشياء الربوية ما كان منها منصوصًا عليه، وما كان مقاسًا عليها مناطا جامعا منصوصا عليه نصًّا صريحًا، فهو أقوى من العلة المستنبطة استنباطًا ظنيًّا وهذا يعنى أن انطباق هذا المناط على كل معاملة في شيء من الأشياء يشبه في وظيفته أحد الأجناس الربوية المنصوص عليها ينهض دليلًا على شمول التحريم لها باعتبار أن الأشياء المنصوص عليها لا يعتبر النص عليها حصرًا خاصًّا بها دون غيرها وإنما كان النص عليها؛ لأنها يومئذ هي أساس الحياة العامة والخاصة للإنسان من حيث الاقتيات واقتناء ما يحتاج إليه من الأشياء غير المقتات بها وعلى هذا الاعتبار يتجلى أن تحريم الربا أريد به منع حرمان الناس من جميع أنواع الاستغلال الذي قد يسلطه بعضهم على بعض لما فيها جميعًا من المفسدة الشاملة الراجحة على كل مصلحة قد تتراءى للبعض خاصة كانت أو عامة معارضة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت