وإذا أمكن التماس العذر للفقهاء الأقدمين، إذا لم يكونوا قد تصوروا انفصال الماهية أو الوظيفة النقدية عن ذات العملة أو مادتها؛ إذ كانت النقدية في الغالب لعهودهم مزدوجة لم ينفصل فيها النقد الاعتباري عن مادة العملة نتيجة تواضعهم على اعتبار النقد أساسًا هو المسبوك أو الموزون من الذهب أو الفضة فإنا لا نعرف عذرًا لمتفقهة المعاصرين إذا لم يتصوروا هذا الانفصال، وقد اختفى اعتبار مادة العملة في تقدير النقدية وحل محلها اعتبار الوظيفة النقدية وحدها وعدم تصورهم لهذا الواقع المعاش وهم يمارسون ساعة بعد أخرى هو الذي ألبس عليهم معنى كلمة"عينا بعين"في الحديث الشريف وما نراها إلا من اللفظ النبوي الشريف ومن إعجاز السنة النبوية فقد جرت على لسانه صلى الله عليه وسلم، وإن لم تكن دلالاتها واضحة في عهده لتقطع السبيل على من قد يحاولون ابتغاء الذرائع إلى تعطيل أحكام الشريعة في المعاملات المالية فهي تعبير عن استقلال الوظيفة النقدية عن مادة العملة بدليل أنها عطفت على الوزنية والمثلية وما كان عطفها مجرد تكرار بصيغ مترادفة وحاشا أن يكون كلام رسول الله عليه السلام شيئا يشبه اللغو.
ولبيان أصالة معرفة العرب لدلالة كلمة عين على النقدين كما كانوا يتصورونهما في ذلك العهد نسوق ما قاله ابن منظور في (لسان العرب: 13/ 305 ن 306) .
والعين الذهب عامة، قال سيبويه: وقالوا عليه مائة عينًا، ثم قال الأزهري: والعين الدينار، والعين في الميزان الميل هو أن ترجح إحدى كفتيه عن الأخرى وهي أنثى، قال: ما في الميزان عين، والعرب تقول: في هذا الميزان عين أي ميل قليل أو لم يكن مستويا، ويقول: هذا دينار عين إذا كان ميالًا أرجح بمقدار ما يميل به لسان الميزان قال الأزهري: وعين سبعة دنانير نصف دانق والعين عند العرب حقيقة الشيء، ويقال: جاء بالأمر من عين صافية أي من فصه وحقيقته وجاء بالحق بعينه أي خالصًا واضحًا وعين كل شيء خياره وعين المتاع والمال وعينته خياره وقد اعتانه وخرج في عينة ثيابه أي خيارها، قال الجوهري: وعينة المال خياره مثل العينة، وهذا ثوب عينة إذا كان حسنا في مرآة العين واعتان فلان الشيء إذا أخذ عينته وخياره والعينة خيار الشيء جمعها عين. قال الراجز:
فآعتان منها عينة فاختارها حتى يشتري بعينه خيارها
ثم قال: وعين الشيء نفسه وشخصه وأصله والجمع أعيان وعين كل شيء نفسه وحاضره وشاهده، وفي الحديث: أوه عين الربا أي ذاته ونفسه، ويقال: هو هو عينًا وهو هو بعينه، وهذه أعيان دراهمك