ومن الطريف الذي يعكس مدى ضلالة المقلدين وانحرافهم في الفهم وتعصبهم في التقليد أن بعضهم جبهته كلمة"عينا بعين"في حديث عبادة وابن عمر وغيرهما في الصرف - انظر فصل"من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف"- فيما كان ينتصر لرأي إمامه في تعليل حرمة الربا في النقدين، فعز عليه أن يتقبلها بمعناها اللغوي المتعارف عليه في كثير من أبواب الفقه الإسلامي نفسه من إطلاق العين على الذهب والفضة فتأولها إلى أن المراد بها تعيين طريقة التقابض وهو صحة التقابض بالإشارة بالعين إشارة تدل على القبول بتبادلها المتصارفان وهو تأويل يكفي بنفسه للدلالة المضحكة المؤلمة على ما يدفع عليه التعصب المذهبي والإصرار على التقليد ومحاولة تسخير النصوص الشرعية لخدمتها من الغرائب والأعاجيب.
وجاء متفقهة هذا العصر - وأغلبهم لا يكلف نفسه مهمة الرجوع إلى فقه اللغة وهو يتأمل الكلمات في النصوص الشرعية - فلم يفكروا في أن كلمة"عينا بعين"لها دلالة إن خفيت على بعض المتفقهة المقلدين القدماء، فما كان ينبغي أن تخفى على ما ينتسب إلى الفقه من المعاصرين، وذلك بأنها تعني ماهية الشيء من بين ما تعنيه كلمة"عين"من معانيها المختلفة إذ هي كلمة مشتركة والذي يصرفها إلى معنى من معانيها القرينة بمختلف أنواعها وهي في الذهب والفضة وفي الحديث الشريف بالذات لها معنى خاصًّا مقصودًا لذاته كان النقدان في العصر النبوي لهما ماهية مزدوجة هي الذات والاعتبار أو بالأحرى المادة والوظيفة، ولذلك جاء في الحديث الشريف:"مثلًا بمثل وزنًا بوزن عينًا بعين"، فتعني المثلية الوحدة النوعية من حيث درجة الصفاء وشكل المادة بياضًا أو سوادًا أو حمرة أو صفرة وتعني كلمة"الوزن"التماثل في الوزن وعدم رجحان أحد الذهبين أو الفضتين عند المبادلة أما كلمة"العين"فتعني - والله ورسوله أعلم بأسرار التشريع - الطبيعة النقدية للمسكوك من الذهب أو الفضة من حظر بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين وإن مناجزة، فالعينية في حديث عبادة وابن عمر وغيرهما نص صريح على تماثل القطع النقدية المسكوكة عند التبادل.
سيقولون: وما جدوى تبادل قطعتين متماثلتين من نقد واحد وجوابنا أن هذا النوع من التبادل يحدث - حسب ما نتصور - إذا كان تاجر مسافر إلى الشام مثلًا حيث ينحصر أو يفضل التعامل بالدينار البيزنطي ولديه دنانير غير بيزنطية فارسية أو يونانية مثلًا، فأراد أن يستبدلها بالبيزنطية وهنا تتعين العينية أكثر مما يتعين الوزن أو التماثل من حيث النقاوة والخلوص؛ لأن الطرفين يتعاملان في هذه الحال بالنقدين أو أحدهما اعتبارًا للوظيفة النقدية وليس اعتبارًا لمادة السكة المراد تبادلهما.