وبين نصوص المأثور وأحكامه.
ومن الله سبحانه وتعالى نأمل في التوفيق والهداية والعون والإرشاد وإليه نبرؤ من كل خطأ قد نقع فيه وما قصدنا إليه ونسأله الغفران له فهو العليم الخبير بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، الغفور الذي سبقت رحمته غضبه ووسعت رحمته كل شيء وقال لعباده: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الآية رقم (54) من سورة الأنعام] .
(2) بين يدي البحث
التشريع الإلهي - كما يدل الاستقراء لأطواره وأحكامه - ليس"ابتداعًا"لحياة يقسر عليها الإنسان قسرًا وإنما هو"تكييف"بالتنظيم والتمحيص طبقًا لمقتضيات العدل والمصلحة العامة والخاصة للحياة البشرية الطبيعية التي درج عليها الإنسان منذ كينونته الأولى في الأرض، إذ أن قسر الإنسان على حياة لم يعرفها ولا ألف نمطها يعني اضطراره إلى الحرج والعسر وجوهر مناط التشريع إنما هو التيسير ونفي الحرج، وهما قاعدة العدل وهدفه، وقد لا يتجلى هذا المعنى فيما هو من العبادات إلا بتدبر عميق في جوهرها لا في طقوسها وشعائرها، بيد أنه جلي واضح أبدع ما يكون الجلاء والوضوح فيما هو من المعاملات وما هو مؤتلف من المعاملات والعبادات كالزكاة والحج.
وهذه الحقيقة من الجلاء والوضوح بحيث لا نشعر معها وفيها بحاجة إلى الاستدلال لها، فهي جوهر جميع ما يتألف منه التشريع من قواعد وأحكام ومنها ما يتصل بالنقد: تطوره وأحكامه وأحواله المختلفة.
وقد تعددت أوجه الرأي والتصور لدى المؤرخين والفقهاء ورواة الآثار فيما يتعلق بالأسباب والأحكام المصاحبة والضابطة لأطوار النقد في الأمة الإسلامية منذ نشأتها، ومرد هذا التعدد إلى أن طائفة منهم لم تجتمع لها العناصر الضرورية لاجتلاء مراحل النقد وتطوره وكانت معارفهم مشوشة لهذه المراحل، والأطوار قبل الإسلام فجاء رواياتهم وتصوراتهم لنشأة النقد الإسلامي ومصاحبته والأحكام التي يجب استنباطها من ذلك مضطربة متضاربة تبعًا لهذا التشويش.
وطائفة أخرى - وهم جمهرة الفقهاء والمتفقهة - قصرت همها على محاولة استجلاء الحكم لما يعرض لها من واقع أو يتخيل من افتراضات واحتمالات من النصوص الواردة في الروايات المشوشة المشار إليها آنفًا عن ظهور النقد في الأمة الإسلامية ومصاحباته وأطواره.
على حين أن الأمة الإسلامية لم تكن بدعًا من الأمم ولا بمعزل عنها رغم أن"المسافة"كانت في