معظم العصور الإسلامية تتحكم في تكييف العلاقات بين الأمم والشعوب.
ذلك بأن"الوسطية"الجغرافية لمهد الأمة الإسلامية"شبه الجزيرة العربية"جعلت نشأة الأمة الإسلامية استمرارًا حضاريا متمادى العروق عريقها تعمق أصوله وتترامى إلى عصور موغلة في القدم وأقطار شديدة التباين ما بين شرقية وغربية، ونتيجة لذلك كان التشريع الإسلامي إنما هو تكييف وضبط بالتمحيص والتقويم والتوجيه لطور متقدم من الحضارة الإنسانية كافة.
والنقض ظاهرة حضارية لا تقل تأثيرًا في تكييف مسيرة الإنسان الحضارية عن أروع ما نشهده اليوم من المخترعات التي تتراءى لنا كما لو كانت بدعًا من اهتداء العبقريات الخارقة للعادة إلى ما لم يكن ممكنا تصوره بأبعد خيال وأنزعه في الإغراق والإغراب.
فلولاه ما استيسرت التجارة للإنسان وأمكن تبادل المنتجات الطبيعية والمصنوعة التي تتمايز بها الأمم والشعوب لما هيأت الطبيعة لكل واحدة منها، وقد أبدع الدكتور جواد علي وأجاد في التعبير عن هذا الواقع أو هذه الحقيقة إذ قال (في المفصل في تاريخ العرب ما قبل الإسلام: 7/ 488) :
والعملة تطور خطير من التطورات التي أثرت في الحياة الاقتصادية للبشر، أحدث اختراعها انقلابًا كبيرًا في النظم الاقتصادية والاجتماعية ويعد إيجادها من المخترعات الكبرى التي لعبت دورًا خطيرًا في حياة الإنسان ولا تزال تلعبه.
قلصت أعمال المقايضة المرهقة المتعبة وقضت على التعامل بالوزن في تقدير الأثمان، أعني التعامل بوزن الذهب والفضة في تقدير قيم الأشياء بأن يعطي إنسان إنسانًا قيراطًا من ذهب أو نصف مثقال أو مثقالًا مقابل سلعة تم التساوم على سعرها أو وزن مثقال من فضة أو أقل من ذلك أو أكثر في مقابل سلعة يريدها المشتري وهو نظام سبق نظام النقد الذي ولدت منه فكرة العملة وهو نظام متقدم بالنسبة إلى نظم المقايضة التي سبقته قلص من صعوباتها كثيرًا وأراح التاجر في التعامل حتى وردت فكرة سك العملة فقلصت منه ومن تعقيداته لسهولة التعامل بالعملة ولاكتسابها صفة رسمية وسعرًا ثابتًا مقررًا ووزنًا معينًا حددته الحكومات.
(3) نشأة النقد وتطوره
من أقدم ما عرف الإنسان من ألوان النقد المسكوكات"الليدية"وقد لا تكون أقدمها، بيد أنها في تقديرنا من أبعدها أثرًا في رسم مسار نشأة النقد وتطوره في الشرق الأوسط، وعن هذه المسكوكات يقول ديورانت (قصة الحضارة: 2/ 306) :
(وامتاز"كروسس"- أحد ملوك ليديا - عن غيره من الملوك بسك نقود ذهبية وفضية ذات شل بديع