فيهما فقد ظهر أناس تخصصوا بفحص الذهب والفضة وبتعيين درجتهما من حيث الجودة والنقاوة وبتعيين سعر السبائك وما يباع منها وفقًا لذلك، ثم تخصص هؤلاء بدراسة النقود وتعيين درجة نقاوتها وتثبيت وزنها وذلك بوجود الغش فيها بالنسبة لذلك العهد فإذا اشتروا نقدًا أو باعوه أو صرفوه بنقد آخر فحصوه فحصًا دقيقًا وتأكدوا منه قبل الشراء أو التصرف لكي لا يكون مغشوشًا فصار هؤلاء هم صيارفة النقود وخبراء السكة في ذلك العهد، وقد كان الصيارفة يجلسون في باب (الهيكل) في القدس يبيعون ويشترون ويصرفون النقود وقد أشير إليهم في الإنجيل ووبخهم المسيح وقلب موائد صيرفتهم (أحال على إنجيل متى الإصحاح 21: الآية 12) ، وكانوا يصرفون الدنانير بالدراهم والدراهم بنقود نحاس والعملات الأجنبية بالعملة الرومانية الدارجة في فلسطين تمامًا كما يفعل صيارفة هذا اليوم في بلاد الشرق الأدنى.
ويظهر من الأناجيل أن أولئك الصيارفة كانوا يجلسون عند موائدهم التي يصرفون عليها النقود أما كبارهم أي الأغنياء منهم من أصحاب المال، فقد كانوا يتعاملون بالقروض يقرضون المال للمحتاج إليه في مقابل دفع فوائد عنها هي الربا وفي تشغيل أموالهم في مشاريع تعود عليهم بالأرباح.
وقد تاجر أهل الجاهلية في الصرف وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر.
وبعد أن أشار إلى أقوال اللغويين في مصدر لفظ الصيرفي وما شاكله قال:
وقد جاءت لفظة الصرف والصيرفة في رأيي من الصرف أي الفضة فالصرف الفضة في لغة الجنوبيين.
ثم قال:
وذلك أنه كانوا يتعاملون بالفضة في الغالب كثرتها بالنسبة إلى الذهب حتى غلب اسمها على هذا التعامل، فقيل: الصرف والصيرفة والصراف وهو الذي يتعامل بالصرف فصارت كلمة"الصرف"التي تعني الفضة مرادفة للنقود، كما صارت لفظة"الفلوس"التي هي جمع"فلس"أصغر عملة من العمل وهي من النحاس مرادفة للنقود وهي العبرانية شبه لذلك فالنقود أي العملة هي في العبرانية الفضة وقد استعملها العبرانيون في معنى العملة؛ لأنهم كانوا يتعاملون بها في حياتهم اليومية، فكانت مشترياتهم وأجورهم ومعاملاتهم بالفضة وبالعملة المعمولة منها حتى صارت في معنى النقود.
ومن تعامل الصيارفة شراء الدنانير بالدراهم والدراهم بالدنانير أن يساوم رجل رجلًا على بيع دينار بدراهم فيتراوض الطرفان على ذلك ويتساوما حتى يتفقا على عدد ما يدفع من الدراهم وذلك لاختلاف نوع الدراهم وأوزانها وجودة فضيتها، ويكون العكس بأن يبيع شخص دراهم في مقابل دنانير وقد يتبايعون على بيع الذهب بالذهب مضروبًا كان أو غير مضروب، أو بيع الفضة بالفضة وكانوا يتلاعبون في تصريف النقود ويتحكمون في أسعار صرفها لاحتكارهم الصرافة في الأسواق ويربحون خاصة من تصريف العملة الأجنبية بالعملة الرائجة في السوق.