تسهم - في سدها يدلنا على ذلك الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرءوا إن شئتم: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الآية 6 من سورة الأحزاب] ، فأيما مؤمن مات فترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه ) ).
فالرسول صلى الله عليه وسلم التزم سداد دين المسلمين والأداء عنهم وذلك تقرير منه لمسؤولية الحاكم عن سد هذا الثغر من ثغور المجتمع الإسلامي فإن كان بعض الناس قد ينازعن فيما فهمنا واستلهمنا من هذا الحديث ويدعي أن التصرف من النبي صلى الله عليه وسلم تطوع شخصي ليس من باب مسؤولية الحاكم؟ فالجواب أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله تشريع باتفاق الحكماء ما لم ينهض الدليل الجازم على تصرف ما بأنه من باب الخصوصية له صلى الله عليه سلم وليس هاهنا دليل أبدًا، بل إن الدليل يثبت أن هذا التشريع عام للأمة بحيث جاء الخلفاء الراشدون وتبعوا هذه الخطة وأصبح من المقرر إثبات مسؤولية الدولة عن سد ثغرات المجتمع.
دحض شبه تعلقوا بها
الذين يحاولون - عن دخل في الفهم أو في الدين - بألوان مختلفة من التعلات والمزاعم والتمويهات تحليل الربا المصرفي، وما شاكله من أوضاع المعاملات المالية في هذا العصر يتعلقون بشبهات بعضها نقلنا دحضها في الفصل السابق وبعضها لم نقف على دحض دقيق حاسم لها على النهج الذي نؤثره، فارتأينا أن نتتبعها قبل أن ننتهي إلى الغاية من هذا البحث.
وأول هذه الشبهات زعمهم بأن الربا المحرم تحريمًا قطعيًّا هو ربا الجاهلية، أو الذي سموه كذلك تبعًا لظاهر عبارات جمهرة من الفقهاء.
وتلك ضلة انزلقوا فيها، ذلك بأن ألفاظ الشرع العزيز لا يمكن تخصيصها أو تقييدها إلا بقرينة أو دليل إن لم يكن في مستواها من القطع أو الظن، فلا أقل من أن يكون في مستوى أقره المحدثون والأصوليون باعتباره مقبولًا بكيان أو مخصص أو مقيد للفظ المراد بيانه أو تخصيصه أو تقييده، ولا نعرف - وما نظن - أن أحدًا يعرف قرينة أو دليلًا لتخصيص الربا الوارد في القرآن الكريم بما سموه ربا الجاهلية كما لو أنه يختلف جوهريًّا عن الربا الذي يريدون تحليله من معاملات العصر الحاضر.
ذلك بأن الربا الذي ورد تحريمه في آيات سورة البقرة، وسورة آل عمران، وورد التمهيد له في آية