فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 318

تشير إليه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الآيات 130 و 131 و 132 من سورة آل عمران] ، فقوله جلاله: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} ، لا يعني تكرار المعنى باشتقاقين لكلمة واحدة وإنما يعني - والله أعلم بسرائر كتابه ولطائف تشريعه - الإشارة إلى التدرج الطبيعي للعمليات الربوية بحيث قد تبدأ يسيرة بيد أنها لا تلبث أن تتضاعف ثم تتضاعف تلك الأضعاف وجلي فارق الدلالة الزمنية بين الصيغة المصدرية في (أضعافًا) وصيغة المفاعلة في (مضاعفة) واختلاف الصيغ في القرآن لا يجيء لمجرد النظم التعبيري، وإنما يجيء لدلالات مقصودة لذاتها لا يتأتى التعبير عنها بدونه وذلك من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم.

ويتراءى لنا أن من أسباب انزلاق السنهوري وغيره ممن تجرؤوا على الإفتاء بما حرم الله، بدعوى تعين الحاجة أو الضرورة، أنهم لم يستطيعوا إدراك سرائر التعبير القرآني ولا إدراك خفايا مناط التشريع، وأنى لمن عجز عن ذلك أن يستقيم له فهم أو اجتهاد في حكم من أحكام الله.

ثم مضى السنهوري بناء على أساسه الذي ناقشناه آنفا، أن يحاول الاعتذار أو التسويغ لتشريعات الدول العربية المبيحة للربا في الإطار الذي حدده في فتواه، زاعما بأن تلك التشريعات لم يغب عنها الملحظ الذي التزمه في هذه الفتوى غافلًا عن أن الأوضاع التي هيأت للمشرعين العرب - والإسلام هو الغالب في جميع البلاد العربية - أن يكون إليهم أمر التشريع في بلدهم تقطع عنهم كل عذر إذا هم لم يعتبروا الوجود الإسلامي في بلادهم باعتباره دين الأغلبية الغالبة، فيلتزم بضوابطه التشريعية، إن صيرورة أمر التشريع إليهم تحملهم جميع التبعات المترتبة عن عدم الالتزام الدقيق بأحكام الشريعة الإسلامية ولا سبيل إلى التماس الأعذار لهم في ذلك بدعوى ضرورة الاتساق مع الأوضاع السائدة في البلاد غير الإسلامية التي تلجئهم الحاجة إلى التعامل معها؛ لأن اعتبار هذا الاتساق قد يكون له وجه في التشريعات المتعلقة الداخلية الراجع أمرها إلى ما هو من مشمولات السيادة البحتة.

على أن ما له علاقة بالتشريعات الخارجية نفسه يمكن تكييفه مع ضوابط التشريع الإسلامي، وذلك ما سنلمع إليه بعد قليل.

ثم إن العالم قد عرف نوعين من التشريع الوضعي العلماني في المجالين الاقتصادي والمالي مسافة الخلف بينهما أحيانا أوسع من مسافة الخلف بين الواحد منهما وبين ضوابط التشريع الإسلامي، ومع ذلك تعايشا وتعاملا بمنافرة أحيانا ذلك ما لا ننكره وبمسالمة أحيانا أخرى وفي كلتا الحالتين أمكن لهما التعايش والتعامل وهما النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، فلماذا يجفل المشرع المسلم أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت