فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 318

المشرع في البلاد الإسلامية من أن يكون صاحب نظام ثالث يفرض نفسه على النظامين الآخرين أن يتعايشا معه وخاصة فيما هو من شؤونه الداخلية ولا علاقة له بغيره، ولا يؤثر بأية حال من الأحوال في تعامله مع الآخرين؟ إلا أن يكون السبب هو مجرد التحرج من أن يقول الآخرون: إنه مسلم ملتزم ومن أن يعاملوه بالجفاء والمناوشة من أجل التزامه بالإسلام وأحكامه. أليس هذا في ذاته مخجل مخز لما يجسمه من الذلة والخضوع.

وكيف كان دعاة الاشتراكية والماركسية أجرأ في دعوتهم - وهم لا يرجون الله وقارًا إنما يرجونه لدنياهم فحسب - من المشرع المسلم أو المشرع للبلاد الإسلامية، فما من أحد ينكر ما أثبته التاريخ من أنهم واجهوا من سدنة النظم الرأسمالية أعنف مما يمكن أن يواجهوا وأقساه من جفاء وحصار ونذر متواصلة مختلفة اللهجات والأشكال، ورغم ذلك ثبتوا بصمود عجيب ليس في دعوتهم فحسب، بل في عملهم على التمكين لها وتركيزها وترسيخها نظامًا ثابت الدعائم ومنهاجا واضح المعالم وإجبار العالم كله على اعتبارها واحتسابها فيما يحتسب من النظم والمناهج وهو يرسم مساره ويعين مصيره ويكيف مسيرته.

وقد وقفنا هذه الوقفة الطويلة مع السنهوري، فيما أحسن فيه وفيما أساء؛ لأن إحسانه أكثر من إساءته ولأن الموضوع يجديه بيان ما أحسن فيه، وما أساء جدوى لا غناء له عنها، ولأن ما أساء فيه كان فيه أفضل من غيره وأحسن عرضا وأوجه حجاجًا بل كان فيه الرائد أو من الرواد لغيره ممن يتبجحون اليوم بالنزوع إلى منزعه ذاك وكأنهم اكتشفوه باجتهادهم وما هم في الواقع غير مجرورين مجترين غاية أمرهم ترجيع ما سبقوا إليه في لهواتهم وادعاء تبعاته على أنهم لم يحسنوا حتى ترجيعه، بل تنزلوا به إلى مستوى من السذاجة والسماجة غير جدير بأي التفات أو اعتبار، ولما كان لا مناص من مناقشة هذا المنزع كانت مناقشة السنهوري هي التصرف السليم.

وقد وقف من هؤلاء"المرجعين"المجترين موقف الداحض الدامغ نفر من"الراجعين إلى الفقه السليم"إذ يعالجون ما يتصل بهذا الموضوع من قريب أو بعيد، ولعل من أجودهم حجاجًا وأجلاهم بصيرة عبد الله عبد الرحيم العبادي في أطروحته"موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة" (ص 130 - 132) وفيما يلى صفوة من كلامه الرشيد:

"إنه مما لا يغيب عن الأذهان أن الذين كانوا يستدينون أموالا نظير زيادة (ربا) تتراكم عليهم في كل عام أو في كل شهر في العهد الجاهلي، لم يكن الدافع إلى ذلك سوى الحاجة وقد تلجئه الضرورة ولم يكن سوى ذلك."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت