فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 318

الأوصاف والقيم طبعًا وإلا لما كان هناك معنى التبادل - فإنه من السهل أن نفهم الحكمة التي من أجلها منع تأجيل البدل وذلك أن من شأن هذا التأجيل أن يحمل في طيه فكرة محظورة وإن يكون القصد هو القرض باسم البيع.

ويذهب الأستاذ دراز إلى أن هناك دعائم قوية يقوم عليها تحريم الربا في جميع صوره، فهناك الدعامة الأخلاقية التي إذا جوزت الربح من طريق المعاملة (أي البيع) فإنها لا تجوزه من طريق المجاملة (أي القرض) وهناك الدعامة الاجتماعية وهذه تقضي بأن مجرد تقرير ربح مضمون لرب المال بدون أن يكون في مقابل ذلك ضمان ربح للمقترض هذا الوضع فيه محاباة للمال وإيثار له على العمل وهذه الوسيلة تزيد في توسيع المسافة وتعميق الهوة بين طبقات الشعب بتحويل مجرى الثروة وتوجيهها إلى جهة واحدة معينة بدلًا من أن تشجع المساواة في الفرص بين الجميع وأن تقارب بين مستوى الأمة حتى يكون أميل إلى التجانس وأقرب إلى الوحدة، وأن اللمحة البارزة في التشريع القرآني وكذلك في كل تشريع اجتماعي جدير بهذا الاسم هي الحيلولة دون هذه المحاباة لرأس المال على حساب الجمهور الكادح والسعي لتحقيق نوع من التجانس والمساواة بين أفراد الأمة إنها لكلمات قصيرة ولكنها ذات مدى بعيد تلك التي يرسم فيها القرآن دستور هذه السياسة حيث يقول: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الآية 7 من سورة الحشر] (ص 20) .

وهنالك أخيرًا الدعامة الاقتصادية فإنه بمجرد عقد القرض أصبح العمل ورأس المال في يد شخص واحد ولم يبق للمقرض علاقة ما بذلك المال، بل صار المقترض هو الذي يتولى تدبيره تحت مسؤوليته التامة لربحه أو لخسره حتى إن المال إذا هلك أو تلف فإنه يهلك أو يتلف على ملكه، فإذا أصررنا على إشراك المقرض في الربح الناشئ وجب علينا في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة إذ كل حق بقابله واجب أو كما تقول الحكمة النبوية: (الخراج بالضمان) (1) أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك هو معاندة الطبيعة ... ومتى قبلنا اشتراك رب المال في الربح والخسر معًا، انتقلت المسألة من موضوع القرض إلى صورة معاملة أخرى وهي الشركة التضامنية الحقيقية بين رأس المال والعمل وهذه الشركة لم يغفلها القانون الإسلامي بل أساغها ونظمها تحت عنوان: المضاربة"أو"القراض"غير أنه لكي يقبل رب العمل - خطأ صوابه: رب المال - الخضوع لهذا النوع من التعامل يجب أن يكون لديه من الشجاعة الأدبية ما يواجه به المستقبل في كل احتمالاته وهذه فضيلة لا يملكها المرابون لأنهم يريدون ربحًا بغير مخاطرة وذلك ما يسمى تحريف قواعد الحياة ومحاولة تبديد نظمها هكذا إذا سرنا وفقًا للأصول والمبادئ الاقتصادية في أدق"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت