دونه تقضي العادة باستحالة إجماعهم على ما لا دليل عليهم ولا أمارة فأي فائدة لوفاقه أو خلافه؟ وكذلك إذا فرضنا أن مجموع علماء الأمة لا يبلغون مبلغ تقضي العادة باستحالة اجتماعهم على ذلك ينبغي على هذا المسلك أن لا يكون قول كلهم حجة ولهذا قال إمام الحرمين إن إجماع المنحطين عن رتبة التواتر ليس بحجة بناء على أن مأخذ الإجماع يستند على اضطراد العادة ومع ذلك وافق على أن مخالفة الواحدة والاثنين يقدح في الإجماع.
والطريقة الصحيحة هي التي عول عليها الشافعي وأكثر الأصحاب وهي التمسك بدليل السمع فلذلك خلاف الواحد والاثنين قادح في الإجماع.
وقد اشتهر الخلاف في ذلك عن ابن جرير الطبري، فقال: إنه يكون إجماع يجب على ذلك المخالف الرجوع إليه ووافقه أبو بكر أحمد على الرازي من الحنفية وأبو الحسن الخياط من المعتزلة وابن جرير بن منداد من المالكية.
ثم قال: وأمام هذه المسألة فإن النصوص فيها صريحة غير قابلة للتأويل بوجه قريب ولا بعيد ولا للنسخ لما سيأتي إن شاء الله تعالى وهي مع ذلك المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أعني ما يدل على النهي عن ربا الفضل ولا تستعبدون دعوى التواتر فيها فمن تتبع الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له العلم بذلك أو كاد.
قال الطحاوي - بعد ما ذكر ما رواه من الأحاديث - فثبت بهذه الآيات المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب متفاضلًا.
ثم قال: وإذا كان في المسألة نصوص قطعية المتن قطعية الدلالة لم يكن مظان للاجتهاد بل الحق فيها واحد قطعًا.
غاية الأمر أن المجتهد المخالف لم يطلع عليها والتواتر قد يحصل في حق شخص ولا يحصل في حق آخر، فإذا خالف مجتهد لعدم اطلاعه على مثل هذه النصوص يكون معذورًا في مخالفته إلى حيث يطلع على النص ولا يحل العمل بقوله ذلك ولا"يقلده"- خطأ ولعل صوابه: ولا يقلد بالمفعول - فيه وينقض الحكم به ولو لم تصل إلى حد التواتر مع صراحة دلالتها كان الحكم كذلك. والله أعلم.
ثم مضى في بحث شيق في هذا الشأن لا يتسع له المجال فليراجع لنفاسته.
قلت: لا أحسب حديث أبي سعيد وابن عباس ينزل عن درجة التواتر عند استقصاء طرقه، ولا أجد سبيلًا للتمسك من بعضهم بروايات تشكك في عدم رجوع ابن عباس عن فتواه، ذلك بأن الأمة