والحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك صريح، لكن سنده تقدم الكلام عليه ولا يقصر عن رتبة الحسن ويكفي في الاستدلال على ذلك أنه لم يعارضه ما هو أقوى منه.
ثم ساق شواهد أخرى على رجوع ابن عباس. ثم قال: روى ابن حزم عن الإمام أحمد، قال: حدثنا هاشم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن ابن عباس أنه قال: ما كان الربا قط في ها وهات وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه حتى مات وهذا إسناد متفق على صحته لكنها شهادة على نفي.
ثم نقل عن ابن عبد البر، عن ابن عيينة، عن فرات القزاز، قال: دخلنا على سعيد بن جبير نعوده، فقال له عبد الملك بن ميسرة الزراد: كان ابن عباس نزل عن الصرف، فقال سعيد: عهدي به قبل أن يموت بستة وثلاثين يومًا وهو يقوله وما رجع عنه. ذكره هكذا بغير إسناد إلى ابن عيينة، قال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع في السنة كفاية عن قول كل واحد ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ: ردوا الجهالات إلى السنة.
ثم قال: اعلم أن دعوى الإجماع في ذلك منحصرة في ثلاثة أوجه: إما أن يدعى إجماع العصر الأول من غير سبق خلاف استنادًا إلى أن ندرة المخالف لا تدور، وإما أن يسلم بسبق
الخلاف المعتد به ويدعى رجوع المخالف وصيرورة المسألة إجماعية قبل إقراض ذلك العصر وإما أن يقال: انعقد إجماع متأخر بعد انقراض الماضين المختلفين.
أما الأول فقد اقتضى كلام بعضهم دعواه وزعموا أن الصحابة أنكرت عن ابن عباس في ذلك لمخالفته الجماعة، وقد اختلف علماء الأصول في انعقاد الإجماع مع ندرة الخلاف، فالجماهير من جميع الطوائف على أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد؛ لأن المجتمعين حينئذ ليسوا كل الأمة والعصمة في الإجماع إنما ثبتت لكل الأمة لا لبعضهم؛ ولأن أبا بكر - رضي الله عنه - خالف الصحابة وحده في قتال ما نعي الزكاة وكان الحق معه ورجعوا إليه وخالف ابن مسعود وابن عباس في عدة من مسائل الفرائض جميع الصحابة امتد خلافهم إلى خلافهم إلى اليوم.
وهذا ظاهر على طريقة من يرى إسناد الإجماع إلى النصوص وهي طريقة الشافعي وكثير من أصحابه.
وأما على طريقة من يرى إسناد الإجماع إلى جهة قضاء العادة باستحالة إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد إلا لدلالة أو أمارة وهو الذي عول عليه إمام الحرمين وابن الحاجب، فيصعب على هذا المسلك تقرير أن مخالفة الواحد للجم الغفير والخلق العظيم تقدح في إجماعهم فإنهم بالنظر إليهم