فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 318

وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيعه هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية فأنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان وهذا لا يجوز كالآت الملاهي، وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتة بل يبيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر والحيل باطلة في الشرع.

وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع فلو لم يجز بيعه بالدراهم لفسدت مصالح الناس.

والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في المنع وغايتها أن تكون عامة ومطلقة، ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية ولا سيما في أن لفظ النصوص في الموضوعين قد ذكر تارة في لفظ الدراهم والدنانير كقوله:"الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير" (1) ، وفي الزكاة قوله:"في الرقة ربه العشر" (2) ، والرقة هي الورق وهي الدراهم المضروبة، وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيًا عن الربا في النقدين وإيجابًا للزكاة فيهما ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداها بل فيه تفصيل، فيجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها وفي هذا توفية الأدلة حقها وليس فيه مخالفة بشيء لدليل منها.

وبعد أن أفاض في الاحتجاج لإباحة بيع الحلي بالنقدين وهو أمر لا يعرف جدلًا جديًّا فيه فهو تقرير لمقرر.

(1) انظر فصل النقد كما يتمثل في الحديث الشريف

(2) انظر فصل النقد كما يتمثل في الحديث الشريف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت