قال: يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والعامل من جملة النظر المحرم وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد الذريعة على التشبه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلا به أو بالحيل والحيل باطلة في الشرع وغاية ما في ذلك جعل الزيادة مقابلة للصياغة المباحة المتقدمة بالأثمان في الغصوب وغيرها.
ثم راح ينكر على متنفقهة زمانه ومن على شاكلتهم أحكامًا في بيوعات أقحموها في ربا الفضل وما هي منه وكأن ذلك هو الذي حمله على مقولته هذه.
ونقل محمد رشيد رضا في (تفسير المنار: 3/ 107، 113) عن محمد عبده في تفسير الآية الكريمة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [الآية 275 من سورة البقرة] ما مثاله:
مسألة الربا مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة"المسبحة"المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مائة إلى سنة بمائة وعشرة مثلًا فيعطيه المائة نقدًا ويبيعه"مسبحة"بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه.
على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًّا، لكن الذين يؤكلونه غيرهم كثيرون جدًّا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات.
ومن هنا ترى أن الأحيان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها، ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن بيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا؛ لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بالجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله"أحل البيع وحرم الربا".